face google twiter youtube 

face
   

تاريخ الرسل: نوح

تاريخ الرسل: نوح

تاريخ الرسل: نوح

قوم نوح

لقد كان قومه قبل ذلك مؤمنون، يعبدون الله وحده ويعتقدون بالميعاد، ويفعلون الخيرات، فمات أولئك القوم، فحزن عليهم الناس لصلاحهم وأخلاقهم؛ فصنعوا بعض التماثيل لهم، وكانوا يسمّونها بهذه الأسماء: ودّ، سواع، يغوث، يعوق، نسر، فأنِس الناس بهذه التماثيل، وجعلوها رمزًا لأولئك النفر الصالحين الذين ماتوا منهم، وكان أهل المدينة يعظّمون هذه الصّور، قصدًا إلى تعظيم أولئك الأموات، ومضى زمان وزمان، حتى مات الآباء وكبر الأبناء، فجعلوا يضيفون في احترام هذه التماثيل، ويخضعون أمامها، وأخذت التماثيل من نفوس أولئك القوم مأخذًا عظيمًا، وإذا بالجيل الثاني، وقد شرعوا يعبدون الصور، ويقولون إنها آلهةٌ يجب السجود لها والخضوع أمامها؛ فعبدوها، وضلّ منهم خلق كثير.

حينذاك بعث الله إلى أولئك القوم نوحًا عليه السلام؛ ليرشدهم إلى الطريق، وينهاهم عن عبادة الأصنام، ويهديم إلى عبادة الله تعالى، فجاء نوح إلى القوم{فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 23] ؛ فكذّبوه، ولم يقبلوا منه، فأنذرهم وحذرهم من عذاب الله تعالى، وقال{إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 135] ، فقالوا{قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأعراف: 60] ، ورد عليهم نوح {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٦١ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:61- 62] ؛ فتعجّب القوم من مقالة نوح، وجعلوا يقولون: أنت بشر مثلنا، فكيف تكون رسولًا من عند الله؟! وإن الذين اتبعوك هم جماعة من الأراذل والسفلة..، ثمّ لا فضل لكم علينا، فلستم أكثر منّا مالًا أو جاهًا، وإنا نظنّ أنكم كاذبون في هذه الادعاءات، وقال بعض القوم لبعض {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ٢٤ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} [المؤمنون: 24-25] ، وشجّع بعض القوم بعضًا على عبادة أصنامهم {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23]

، فقال لهم نوح عليه السلام{أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ} [الأعراف: 63]، وأخذ نوح عليه السلام جانب اللين واللطف، ولكن القوم لم يزيدوا إلا عِنادًا، فدعاهم عليه السلام في كل وقت حتى قال{قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ٥ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ٦ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا}[نوح:5- 7]، ودعاهم بكل أسلوب ممكن{ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ٩ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا}[نوح:9- 10]، فاختلق بعضهم أعذارًا تافهة، فقالوا{قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111]

فأجابهم نوح عليه السلام بلهجة كلّها لطف وتذكير{قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الشعراء: 112]، وقال لهم {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ}[الشعراء: 113]، وقال نوح أيضاَ{وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ}[الشعراء: 114]،{وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا}[هود: 29]، وكيف أطرد جماعة آمنوا بي وآزروني وساعدوني على نشر الدعوة؟!

وقال لهم{وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [هود: 30] ، {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الشعراء: 115]؛ أُنذر الناس على حدّ سواء، من غير فرق بين الشريف والوضيع، والغنيّ والفقير، والكبير والصغير، والأبيض والأسود..، ولما انقطع القوم عن الاحتجاج، ولم يتمكّنوا من رد الأدلة التي ذكرها نوح عليه السلام، أخذوا يهدّدونه بالرجم بالحجارة {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ } [الشعراء: 116]

السفينة

ولما تيقن نوح عليه السلام من أنهم لا يقبلون منطقًا، ولا يهتدون، تضرَّع إلى الله تعالى بأن ينجّيه من هؤلاء المعاندين

{قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} [الشعراء: 117] {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 118]

وحيث كان نوح يخوّف قومه من عذاب الله، إن أصرّوا على الكفر، قال بعضهم استهزاءً {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود: 32]

، فأجابهم نوح: إن هذا الأمر ليس بيدي{إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ} [هود: 33]{وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ}[هود: 34] فأوحى إليه الله تعالى{أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هود: 36]، فقد تمّت الحجة، وانقطعت الأعذار، وطالت الدعوة ما يقرب من عشرة قرون، يئس نوح منهم يأسًا باتًّا، فدعا إلى الله تعالى، قائلًا {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ٢٦ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح:26- 27] فأوحى الله إليه بصنع السفينة {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } [المؤمنون: 27]

فبدأ بصناعتها {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا}[هود: 38]، فيجيبهم نوح عليه السلام في تأدّب ولين{إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38]، ثم يهددهم ويخوفهم بالله{فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [هود: 39]

، واشتغل بالعمل جادًّا، حتى تمّ صُنع السفينة.

ثم أمر الله سبحانه وتعالى نوحًا أن يحمل في السفينة الذين آمنوا معه، ومِن كل ذي روح زوجين اثنين {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: 40] ؛ فحمل الذين آمنوا به، وحمل من كل زوجين اثنين {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}[هود: 41]

الغرق

التكبر وتشويه التاريخ
"في القرون الوسطى بدأ المسيحيون في كتاباتهم بالاقتناع بالتوزيع العرقي للأجناس البشرية الذي ورد ذكره في سفر التكوين، وأضافوا إليه توزيعًا طبقيًّا جديدًا؛ فكان الاعتقاد السائد أن رجال الدين والقديسيين ينحدرون من سلالة سام، والفرسان ينحدرون من سلالة يافث، والفقراء ينحدرون من سلالة حام أبناء نوح عليه السلام، ووصل الأمر في عام 1964 إلى السيناتور الأمريكي روبرت بيرد Robert Byrd من فرجينيا الغربية أن يستخدم قصة نوح كمبرر لإبقاء سياسة التمييز العنصري في الولايات المتحدة".

ولما ركب نوح والذين آمنوا معه السفينة، وأخذ معه الحيوانات، كلًّا في موضعه، أخذت السماء تمطر مطرًا غزيرًا، وطفقت عيون الأرض تنبع بالمياه الكثيرة {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ١١ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ١٢ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ٖ ١٣ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر:11- 14]

ويرى نوح عليه السلام ولده الذي لم يؤمن وهو يريد الفرار من الغرق، فيناديه {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} [هود: 42]، لكن الابن يأبى الإيمان، ويأبى قبول نصيحة والده، ويرد على نوح {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ }[هود: 43] ، فينظر إليه نوح نظرة مشفقٍ، ويقول {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ}[هود: 43]، وما إن{وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ }[هود: 43]

ويرق نوح عليه السلام لولده، فيتضرّع إلى الله تعالى في نجاة ابنه، فالله تعالى كان قد وعده بنجاة أهله، فقال نوح عليه السلام{وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود: 45]، فأجابه الله الذي وعده بنجاة أهله الذين كانوا من الصالحين، قائلًا{قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46]

فليس في الدين واسطة إنه ليس من أهلك، ولا ينفعه أنه ابنك مالم يؤمن بالله ويوحده.

وبعد ما غمر الماء جميع الأرض، وهلك كل كافر{ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} [هود: 44]، فغاض الماء الذي نبع من الأرض، وأُوحِي إلى السماء{وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي} [هود: 44]، وكُفِّي عن الانصباب والمطر؛ فانقطع المطر {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: 44]، وهو جبل أرست السفينة عليه، وأُوحِي إلى نوح عليه السلام{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ}[هود: 48]؛ فنزل نوح من السفينة، ونزل المؤمنون الذين كانوا معه، وبنوا مدينة، وغرسوا الأشجار، وأطلقوا الحيوانات التي كانت معهم، وابتدأت العمارة في الأرض، وأخذ الناس يتوالدون ويتناسلون.

  - متعلقات حوارات السعادة
  - متعلقات الرواية
  - متعلقات الكتب
  - متعلقات الفيديو
مكتبة الفيديو
العقل والمنطق