face google twiter youtube 

face
   

حاجتنا إلى الإيمان

حاجتنا إلى الإيمان

حاجتنا إلى الإيمان

التقى الأصدقاء حسب الموعد المحدد في مطعم بيت الشباب، وبعد اطلاع على قائمة الطعام حدد مايكل وراشد طلبيهما، بينما تأمل راجيف القائمة أكثر، وقال: كثير من المطاعم لا تهتم بتقديم وجبات نباتية كاملة، ولكن على أي حال يمكن أن أطلب وجبة مناسبة.

مايكل: أنت إذن من النباتيين؟

راجيف: نعم، ما يقارب 40% من سكان الهند نباتيون.

راشد: ولكن هل ذلك لأسباب دينية أم صحية؟

راجيف: في الحقيقة، في الديانة الهندوسية التي كنت أدين بها, يعد أكل البقر محرم تمامًا، وفي الهند نظام النباتية نظام شائع جدًّا بين معتنقي الديانة الهندوسية، رغم تضاؤل أعدادهم الآن لما في هذا النظام من قسوة، أما أنا فإني أفضل الطعام النباتي لأسباب صحية وبيئية.

راشد (مناديًا النادل): من فضلك، هذه طلباتنا.

مايكل: ولكنك يا راجيف تركت ديانتك إلى أي ديانة؟

راجيف: لا إلى شيء، إن دراستي في ألمانيا أكسبتني اطلاعًا وحرية للنظر إلى الهندوسية بشيء من النقد وكثير من الشك، ولم أقتنع بالمسيحية، ولذلك فأنا أقرب إلى الإلحاد.

مايكل: أنا أقترب منك في هذا الشك، ولكني أعتقد أن الإنسان في حاجة إلى علاقةٍ ما بإله في بعض الأوقات، ولكن هذه العلاقة ينبغي ألا تكون طاغية أو مسيطرة على الإنسان.

راشد: ولكني أعتقد أن هذا الكلام يحتاج إلى مناقشة وتمحيص.

مايكل: أي كلام تقصد؟

راشد: فكرة الإلحاد، ومكانة الدين أو الإله في حياة الإنسان.

راجيف: أعتقد أن تقدم الإنسان في العلم كشف له أسرارًا كثيرة، جعلته في غير حاجة لتفسير ما كان غامضًا عليه تفسيرًا غيبيًّا، وأعتقد أن الكون محكوم بقوانين العلم التي تسيره، ويمكن القول: إن الكون آلة ميكانيكية تخضع لقوانين حتمية صارمة، وكل ما يحدث فيه له سبب يؤدي إلى نتيجة حتمية ومحددة، وما دامت القوانين الميكانيكية تُسَيِّر الكون وفق نواميسها فلا داع (لفكرة) الإله المسيطر على الكون.

راشد: العلم أداة رائعة في تفسير ما حولنا، لكن المسألة ليست هكذا، فلا يمكن أن نناقش مسألة كبرى كهذه، بل أكبر مسألة شغلت البشر منذ فجر التاريخ، بِبُعد واحد حتى ولو كان هذا البعد يروق لنا أو مما نثق به، هناك أبعاد كثيرة في الموضوع، منها: هل يفسر العلم كل الظواهر حولنا؟ طبعًا لا.. ليس في إمكان العلم ذلك، وإذا أخذنا علم الفلك مثالًا فإن نظريات علم الفلك ترى أن ما اكتشفناه من الكون حتى اليوم يمثل 5% فقط، والباقي مادة مظلمة لا ندري شيئًا عنها، وهذا بالطبع حسب إمكاناتهم الحالية وما توصلوا له، وإلا فمن الممكن جدًّا أن يكون حجم ما يجهلونه أكبر بكثير. فإذا كان ذلك في عالم الشهادة أو عالم المحسوسات، فما بالنا بعالم الغيب؟! وذلك يجعلنا نتساءل: أليس للعلم حدودًا يقف عندها؟ يجب أن نعرف أن قدرات العلم مهما بلغت فهي محدودة في تفسير كل شيء؛ فعالم الغيب ليس ضمن إدراك العلم لأن العلم يعجز عن تفسير بعض الظواهر الفيزيائية المُعاشة، فكيف بعالم الغيب الذي لا يمكن إخضاعه لمعامل الاختبار ووسائل الإدراك الحسي؟! ويضاف إلى ذلك: أن علمنا بطريقة عمل شيء لا ينبغي أن يقودنا إلى إنكارنا لصانعه ولا تقليلنا للإبداع فيه؛ فلو أن شخصًا بدائيًّا شاهد جهاز التلفاز وانبهر به وتحير، ثم علم بعد ذلك نظريات وطريقة عمل التلفاز، فإن ذلك لا يعني الحط من قيمة هذا العمل أو إنكار أن له صانعًا، وهكذا فإننا مثلًا إذا توصلنا في علم الأحياء إلى فك شفرة الخلية واكتشفنا شريط الحمض النووي؛ وظهرت أعاجيبه، هل يعني ذلك عدم وجود إعجاز في ذلك؟ أو أن هذا الخلق ليس وراءه خالق؟ بالعكس، فإن هذا الإبهار الذي يقف أمامه الإنسان عاجزًا عن صنع مثله من العدم أو تفسير كيفية عمله وهو في منتهى الصغر، يقود إلى الإيمان بأن وراء هذا الخلق خالق.

خذ مثالًا آخر: يقول البروفيسور سيسيل بايس هامان(وهو أستاذ أمريكي في البيولوجيا): «كانت العملية المدهشة في صيرورة الغذاء جزءًا من البدن تنسب من قبل إلى الله، فأصبحت اليوم بالمشاهدة الجديدة تفاعلًا كيماويًّا، هل أبطل هذا وجود الله؟ فما القوة التي أخضعت العناصر الكيماوية لتصبح تفاعلًا مفيدًا؟... إن الغذاء بعد دخوله في الجسم الإنساني يمر بمراحل كثيرة خلال نظام ذاتي، ومن المستحيل أن يتحقق وجود هذا النظام المدهش باتفاق محض؛ فقد صار حتما علينا بعد هذه المشاهدات أن نؤمن بأن الله يعمل بقوانينه العظمى التي خلق بها الحياة».

مايكل: ولكن لقد أكدت نظرية التطور لداروين نفس هذا المفهوم – حتمية العلم وإلغاء الإله الصانع – وأكدت أن الكائنات الحية نشأت تحت قانون الانتخاب الطبيعي والارتقاء وليس الخلق.

راشد: هذا الطرح يقودنا إلى تساؤل مهم بالنسبة لهذه النظرية أو غيرها: هل التفسير العلمي مطلق وثابت في جميع الحالات؟ لقد نسي كثير من المنبهرين بالتقدم العلمي أن من سمات العلم التراكم والثورية، وهما يشكلان طابعًا آليًّا لتقدم المعرفة العلمية، حيث تتراكم المعارف والاكتشافات حتى تصل إلى الدرجة التي تشرع وقائع جديدة في إعادة النظر في المعارف القديمة، مغيرة نظرة الإنسان للعالم.

ففي نظرية داروين – وهي على كل حال فرض علمي، لم يرق لدرجة الحقيقة العلمية ولا حتى النظرية – بل أفكار حول التطور، هذه الأفكار تصادمت مع اكتشافات علم الأجنة الحديثة.. وكذلك الحفريات التي أثبتت الظهور المفاجئ لمجموعات الحيوانات الرئيسة في فترة زمنية قصيرة مما يعرف بالعصر الكمبري، وتعرف هذه الفترة غالبًا باسم «الانفجار الكمبري»، هكذا بدل أن تتطور واحدة عن الأخرى، كما تقول نظرية التطور.

راجيف: إذن، أليس هناك احتمالًا بظهور هذا العالم صدفة من غير وجود صانع له؟

راشد: اسمح لي أن أوضح مدلول معنى المصادفة من خلال استخدام مبادئ علم الرياضيات وقوانين المصادفة؛ للتعرف على مدى احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر مصادفة: إذا افترضنا أن لدينا صندوقًا كبيرًا مليئًا بآلاف الأحرف الأبجدية، فإن احتمال وقوع حرف الألف بجوار الميم لتكوين كلمة }أم{ قد يكون كبيرًا نسبيًّا، أما احتمال تنظيم هذه الحروف لكي تُكوِّن قصيدة مطولة من الشعر أو قصة إبداعية، فإنه يكون ضئيلًا إن لم يكن مستحيلًا. لقد حسب العلماء احتمال اجتماع الذرات التي يتكون منها جزيء واحد من الأحماض الأمينية (وهي المادة الأولية التي تدخل في بناء البروتينات واللحوم) فوجدوا أن ذلك يحتاج إلى بلايين عديدة من السنين، وإلى مادة لا يتسع لها هذا الكون المترامي الأطراف، هذا لتركيب جزيء واحد على ضآلته، فما بالك بأجسام الكائنات الحية جميعًا من نبات وحيوان، وما بالك بنشأة الحياة والكون.. إنه يستحيل عقلًا أن يكون ذلك قد تم عن طريق المصادفة العمياء.

إن فروع العلم كافة تثبت أن هنالك نظامًا دقيقًا معجزًا في ضبطه وانتظامه يسود هذا الكون، أساسه القوانين والسنن الكونية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل، والتي يعمل العلماء جاهدين على كشفها والإحاطة بها، وقد بلغت الكشوف العلمية من الدقة قدرًا يُمَكِّننا من توقع الكسوف والخسوف وغيرهما من الظواهر قبل وقوعها بمئات السنين. فمَن الذي سنَّ هذه القوانين وأودعها كل ذرة من ذرات الوجود، بل في كل ما هو دون الذرة عند نشأتها الأولى؟! ومَن الذي خلق كل ذلك النظام والتوافق والانسجام؟! من الذي صمم فأبدع وقدر فأحسن التقدير؟! هل خُلِق كل ذلك من غير خالق، أم أن الناس أنفسهم هم الخالقون؟! هكذا يسأل القرآن كتاب المسلمين المنزل: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور:35].

إن النظام والقانون الذي يسير عليه هذا الكون، وذلك الإبداع الذي نلمسه في الكون حيثما اتجهت أبصارنا، يدل على أن هناك إلهًا قديرًا عليمًا خبيرًا أبدع هذا الكون.

مايكل: ولكن هنا يبرز سؤال – رغم عدم تأييدي لفحواه – وهو: ما حاجتنا إلى الدين والاعتقاد بالإله؟ إن كثيرين يعيشون حياتهم بدون اعتقادهم في إله أو اعتناقهم دينًا.

راشد: لقد أيدت دراسات الأنثروبولوجيا [علم الإنسان] وعلم الأديان أن الحاجة إلى الدين موجودة عند جميع الناس في كل العصور وفي جميع المجتمعات، فالإنسان منذ القدم وهو يبحث عن إله يعبده، ويتوسل إليه، يعتقد أنه قوي مسيطر على الكون، خالق كل شيء، حي لا يموت. إن الفطرة الإنسانية تشهد كلما نزلت بالإنسان ضائقة، أو هددته مخاطر، أو أوشك أمله على الضياع، أن بالإنسان حاجة بيولوجية تدفعه إلى الإيمان بالله.

كما أنه بدون هذا الإيمان يصبح الإنسان غالبًا حيوانًا تحكمه الشهوة ولا يرده ضمير.

راجيف: اسمح لي أستاذ راشد، لقد عشت في بلد يعج بالديانات المختلفة، وانتقلت إلى أوروبا وتعرفت على أصحاب ديانات أخرى، لقد وجدت كل أصحاب دين يختلف تصورهم عن الله عن الآخرين، فكيف أفسر هذا الاختلاف؟ وكيف أعرف الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الإله الحق؟ وكذلك: كيف أعرف الدين الحق من غيره؟

راشد: أرى النادل قد أتي بالطعام، وأعدكم أن نناقش هذه المسائل في حوارات قادمة، ولكن دعونا نتفق أولًا على مقولة العالم الفيزيائي ألبرت أينشتاين: «العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى».