face google twiter youtube 

face
   

تفكيك البيت المتصدع

تفكيك البيت المتصدع

تفكيك البيت المتصدع

بعد استراحة تخللتها غفوة غشيت الصديقين، تبادل كل منها مقعده لتجديد نشاطهما، ثم بدأ مايكل الحديث: من الملاحظ أنه يشيع في المجتمعات الإسلامية إيقاع الطلاق، وأرى أن أحد أسباب ذلك إباحة الإسلام الطلاق.

راشد: أولًا: الإسلام لم يكن أول من شرع الطلاق حتى نسقط عليه نتائج هذا التشريع، فقبل الإسلام كان الطلاق شائعًا في العالم كله تقريبًا، وكان الرجل يغضب على المرأة فيطردها محقًا أو مبطلًا، ودون أن يكون للمرأة أي حق أو عوض على الرجل، وعندما ازدهرت الحضارة اليونانية، كان الطلاق شائعًا فيها دون قيد أو شرط، أما الديانة اليهودية فمن المعروف أنها تبيح الطلاق، وأنه من حق الرجل وحده وبالإرادة المنفردة، كما أن له الحق في تطليق زوجته بدون عذر، وإن كانوا يرون أن إيقاعه بعذر أفضل، ويلاحظ في الطلاق عندهم: أن المرأة إذا تزوجت بزوج أخر لا تستطيع العودة إلى زوجها الأول.

ثانيًا: هل يشيع الطلاق فعلًا في المجتمعات الإسلامية حتى نقول إن إباحة الإسلام للطلاق هو سبب ذلك، لنلق نظرة على بعض الإحصائيات في العالم للمقارنة:

في أمريكا بلغ متوسط معدل الطلاق للأعوام من 1992، 1995م (502) حالة طلاق لكل ألف حالة زواج، ويتوقع ازدياد هذا المعدل بنسب كبيرة، ولعل ذلك مما حدا بالإدارة الأمريكية إلى إخفاء نسبة حالات الطلاق بالرغم من إعلانها عن عدد حالات الزواج منذ عام 1999م وحتى الآن، وفي روسيا الاتحادية بلغ متوسط معدل الطلاق خلال الأعوام من 2001 – 2004م (750) حالة طلاق لكل ألف حالة زواج، وفي السويد بلغ متوسط معدل الطلاق في السنوات نفسها }539{ حالة طلاق لكل ألف حالة زواج، وفي بريطانيا بلغ متوسط معدل الطلاق (538) حالة طلاق لكل ألف حالة زواج خلال الأعوام من 2000 – 2003م.

وفي اليابان بلغ متوسط معدل الطلاق (366) حالة طلاق لكل ألف حالة زواج خلال الأعوام من 2000– 2004م.

أما إذا نظرنا إلى المجتمعات الإسلامية فإن أعلى معدل طلاق تحقق كان في الكويت، وبلغ (347) حالة طلاق لكل ألف حالة زواج خلال الأعوام من 2000– 2004م، أما البلدان الأخرى فإنها أقل من ذلك كثيرًا، ففي الأردن بلغ المعدل (184) حالة طلاق لكل ألف حالة زواج خلال الأعوام من 2000– 2004م، أما في فلسطين فبلغ المعدل خلال الفترة نفسها (142) حالة طلاق لكل ألف حالة زواج.

وفي مصر بلغ المعدل خلال الأعوام من 2000– 2003م (134) حالة طلاق لكل ألف حالة زواج، وفي المجتمع السوري بلغ المعدل خلال الأعوام من 2000- 2002م (84) حالة طلاق لكل ألف حالة زواج، وفي ليبيا بلغ المعدل (51) حالة طلاق لكل ألف حالة زواج خلال الأعوام من 2000– 2004م، وفي إيران بلغ متوسط معدل الطلاق (97) حالة طلاق لكل ألف حالة زواج خلال الأعوام من 2000- 2003 م.

فهل نقول بعد ذلك أن الطلاق منتشر في المجتمعات الإسلامية، وأن سبب ذلك إباحة الإسلام للطلاق؟!

مايكل: ولكن من المعروف أن الإسلام اشتهر بسهولة إيقاع الطلاق مقارنة بغيره من الأديان والنظم الاجتماعية.

راشد: هذا التعليق يحتوي على أكثر من موضوع، فلتسمح لي أن أتناولها مفصلة.

مايكل: تفضل.

راشد: الموضوع الأول: هو اعتقاد سهولة إيقاع الطلاق في الإسلام بشكل مطلق، بالطبع لا يوجد تشريع ولا أي نظام اجتماعي يشجع على الطلاق.. قد أقر معك أنه بالفعل قد يتساهل في هذا الأمر من لا يلتزم بتعاليم الإسلام ويسيئ استخدام بعض الصلاحيات الممنوحة له بغير حق، ولكن في الوقت نفسه يجب أن نعلم أن تعاليم الإسلام بريئة من هذا السلوك، فهي واضحة في الحد من هذا الأمر وتنظيمه بما يقلل من آثاره السلبية، وما يحدث في بعض المجتمعات هو نتيجة بُعد هذه المجتمعات عن حقيقة دين الإسلام في تشريعاتها ونظمها.

مايكل: هل يمكنك توضيح هذه النقطة بعض الشيء؟

راشد: أصل الزواج في الإسلام أنه عقد دائم ويحرم تأقيته بوقت معين؛ بما يعني أنه يفترض أن تستمر الحياة الزوجية بين الزوجين حتى يفرق الموت بينهما، وقد وُصِف عقد الزواج بأنه ميثاق غليظ، وذلك مما يدعو إلى احترامه وعدم التفكير في حله، كما أن الطلاق مسألة بغيضة في الإسلام إلا في حالات الضرورة، وعند الاضطرار إليه أرشد الإسلام إلى أنه ينبغي استباقه ببذل محاولات إصلاح وإتمام إجراءات معينة تحد منه، وأن تصاحبه آداب تصون كرامة جميع الأطراف وتحافظ على ما تبقى من الأسرة:

فقد دعا الإسلام إلى إمساك الزوجة وعدم طلاقها إن كرهها زوجها لصفة ما لا يحبها، وذكّره بضرورة النظر إلى صفات أخرى قد توجد فيها وتدعوه إلى إمساكها، وصان قداسة الزوجية من العبث؛ فحذر من الهزل في إصدار كلمة الطلاق، كما أمر الزوج بضبط أعصابه والتريث في تقويم زوجته، وندب الإسلام إذا لم يستطع الزوجان علاج المشكلة إلى تدخل أطراف أخرى تهمها مصلحة الزوجين للعلاج والحل، ثم جعل الطلاق النهائي على مراحل من أجل التجربة وإتاحة الفرصة للمِّ الشمل وعودة الزوجين، فلم يحكم بهدم الحياة الزوجية من أول نزاع بين الزوجين، بل جعله على ثلاث مرات، يملك الزوج بعد كل من الأولى والثانية أن يراجع زوجته، وحتى بعد الثالثة أباح الإسلام رجوع الزوجين، ولكن ذلك إذا حدث إجراء ملفتٍ وقاسٍ على الزوجين، وهو أن تتزوج المطلقة زوجًا غيره.

مايكل: هذا هو الموضوع الأول، فماذا غيره؟

راشد: النقطة الأخرى المهمة هي النظرة الخاطئة إلى واقع المجتمعات الأخرى غير الإسلامية، فالحقيقة أن الطلاق فيها يمكن أن يتم لأسباب تافهة، ولا بد أنك تعرف ذلك؛ ففي أمريكا مثلًا تذكر الوقائع القضائية أنه يمكن الحكم بالطلاق إذا كان أحد الزوجين يدمن الكمبيوتر أو متابعة البرامج أو المباريات على التلفزيون، وفي كندا يكفي أن يثبت أحد الزوجين أن شريكه يعاني من الشخير أثناء النوم حتى يحصل على الطلاق فورًا، وفي إيطاليا يمكن أن يحصل أحد الطرفين على حكم بالطلاق إذا أجبره شريكه على القيام ببعض الأعمال المنزلية، وفي بريطانيا يعد الاستخفاف بشؤون الزوج كإتلاف تذكار مسوغًا للطلاق.

أما في اليابان فقد توافق المحكمة على إصدار حكم بالطلاق إذا كان شريك الحياة ينام بطريقة لا تعجب شريكه طالب الطلاق.

مايكل: ما ذكرته يا سيد راشد صحيح، ولكنه واقع في النظم القضائية العلمانية المنفصلة عن الدين، أما المسيحية فموقفها معروف من الطلاق وتشديدها في منعه إلا لعلل محدودة قد يصعب إثباتها في الحقيقة.

راشد: أنا أزعم أن هذا التشديد لا يوافق طبيعة البشر ولا يناسب الحياة الإنسانية، ويوضح ذلك أن بعض المسيحيين الذين يعيشون في البلدان الإسلامية ويرون الفرق بين الدينين، قد يتركون دينهم هروبًا من هذا العنت عندما يصلون إلى نقطة فارقة في حياتهم الاجتماعية ولا يجدون استجابة من دينهم لطبيعة الحياة وتعقيداتها.

وهذا ما يميز الإسلام، فالإسلام وهو يحتم أن يكون عقد الزواج مؤبدًا يعلم أنه إنما يُشَرِّع لأناس يعيشون على الأرض، لهم خصائصهم وطباعهم البشرية وظروفهم التي قد تتغير، ويضع هامشًا في الوقت نفسه للخطأ في الاختيار الذي قد لا تكشفه إلا التجربة، ويراعي أن تغير هذه الظروف أو الوقوع في هذا الخطأ قد ينتج عنه سلبيات بدرجات متفاوتة، قد تحتمل أحيانًا وقد تكون جسيمة لا تحتمل إلا بخسائر نفسية واجتماعية بل ومادية باهظة، لذا: شرع لهم كيفية معالجة هذه الأخطاء إذا تعثر العيش وضاقت السبل وفشلت طرق الإصلاح، والإسلام في هذا دين واقعي كل الواقعية، ومنصف كل الإنصاف لكل من الرجل والمرأة وللأسرة جميعًا، فتصحيح المسار حتى بالافتراق وبداية تجربة جديدة، أفضل من تلظي جميع أفراد الأسرة بنار الخلافات والشقاق أو الاستمرار مع فوات المقصد من الزواج وأهدافه، التي أهمها: السكن النفسي من خلال المودة والرحمة وتأسيس أسرة مستقرة ناجحة.. فالطلاق في الإسلام علاج وتقويم لمسار، وفرصة للتغيير وإعطاء فرصة لبدء حياة جديدة أكثر نجاحًا.

إنني أرى أن تشريع الطلاق بالضوابط المذكورة في الإسلام من سماحة هذا الدين وواقعيته.

مايكل: ولكن، لماذا يجعل الإسلام الطلاق حقًّا للرجل وحده، أليس ذلك ظلمًا للمرأة؟!

راشد: مرة أخرى، ينبغي النظر للأمر من خلال إطار كليّ يراعي جميع الأبعاد، وأقصد أن ننظر إلى هذا الأمر من خلال منظومة اجتماعية كاملة، تبدأ بالزواج نفسه ومقاصده، وتمر بمفهوم الأسرة ووظيفة كل طرف فيها وأعبائه وواجباته وحقوقه.

وهنا نذكر أنه ثبت علميًّا أن المرأة بطبيعتها أكثر عاطفية وتقلبًا واندفاعًا من الرجل؛ مما يجعل الرجل أكثر إدراكًا وتقديرًا لعواقب هذا الأمر، وأقدر على ضبط أعصابه، وكبح جماح عاطفته حال الغضب والثورة.

كما أن إيقاع الطلاق يترتب عليه في الإسلام تكبد الزوج وحده خسائر مالية، وتلزمه تبعات مالية عقب الطلاق، ولا شك أن هذه التكاليف المالية المترتبة على قرار الطلاق تكون أسبابًا إضافية تحمل الأزواج على التروي وضبط النفس.

ومع ذلك: فإن الإسلام رغم أنه جعل الطلاق حقًّا للرجل وحده، إلا أنه لم يهمل إيجاد طريق للمرأة في الانفصال عن الزوج إذا رأت سببًا وجيهًا يستحق ذلك، وهذا ما يعرف بالخُلع، بضوابط وتشريعات تحفظ حقوق جميع الأطراف.

هل تحب يا عزيزي أن نتحدث عن وضع المرأة في بلادكم؟!

مايكل: أرى أن نتناول طعام الغداء؟

  - متعلقات طريق السعادة
  - متعلقات حوارات السعادة
  - متعلقات الرواية
  - متعلقات الفيديو
لما بقي جائع لما بقي جائع