face google twiter youtube 

face
   

تعرف على إلهك!!

تعرف على إلهك!!

تعرف على إلهك!!

في عصر يوم مشمس صافٍ، التقى الأصدقاء الثلاثة حسب الموعد المحدد على ضفاف نهر السين، دعا راجيف صديقيه لاستقلال باخرة نهرية بدا أنها فاخرة.. وقف الأصدقاء الثلاثة يستمتعون بالمناظر الرائعة للنهر والخضرة المحيطة بجانبيه.. أطلق راشد بصره في الأفق وخاطب صديقيه: إن الأنهار والبحار والنباتات والحيوانات والجبال والإنسان وكل ما نشاهده في هذا العالم، بل كل ما لا نشاهده ولا نراه.. يمثل دلالة واضحة على حكمة خارقة جعلت هذه الأشياء تنبض بالحياة، ويدل على أن لهذا العالم خالقًا وربًّا.. ألا تتفقان معي على ذلك؟

راجيف: لقد اتفقنا في الجلسة قبل الماضية على ضرورة أن يكون لهذا العالم خالق، ولكن هناك بعض القضايا المتعلقة بهذه القناعة تستحق مناقشتها وتمحيصها.

مايكل: أرى أن أهم ما نبدأ به ما سبق أن ذكره المهندس راجيف بشأن التساؤل عن الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الإله الحق.

راشد: إن ما نعيشه ونشاهده من إبداع خلق الكون وثيق الصلة بما تطلبه؛ إذ إن أصل الإيمان واليقين بأن الله هو الحق هو أن يكون لديك «تصورًا صحيحًا» لهذا الكون بما في ذلك نفسك التي بين جنبيك؛ وذلك بمعرفة عناصره وتراكيبه وغايات خلق كل مخلوق فيه.

مايكل: لقد سلمنا بوجود إله خالق للكون، ولكن تصور هذا الإله يختلف باختلاف الأديان، بل إن بين هذه التصورات من الاختلاف والتباين ما يدفع بعض الناس إلى الهروب من البحث في هذا الموضوع والعيش حياة أقرب إلى الإلحاد، حتى وإن لم يقروا بذلك صراحة.

راشد: معك حق يا صاحبي، ولكني أضيف أن ذلك الهروب لم يمنعهم من الإحساس بالحاجة إلى التأله لإله ما، بل إن بعضهم في الحقيقة عندما ينكر وجود إله فإنما هو يؤله نفسه.. يتخذ إلهه هواه، فعتاة الملاحدة هربوا من الاعتراف بالله والإيمان به إلى أشياء أخرى أعطوها القدر نفسه والصفات نفسها التي لا ينبغي أن تكون إلا للإله الحقيقي دون أي مسوغ إلا الهروب من تصور منحرف للإلوهية شاهدوه أو عايشوه.

راجيف: إذا دخلنا في موضوعنا فإننا نستطيع القول: إن الإله لا بد أن يكون مهابًا محبوبًا مرهوبًا في الوقت نفسه، يشعر الإنسان تجاهه بالحاجة إليه؛ هذا من جهة الإنسان، ولكن هذه الصفات هي في حقيقتها تمثل حالة للإنسان قد تتحقق في أكثر من شخص تجاه أكثر من إله، إذن: لنستعرض صفات الإله الحق الذي ينبغي أن يتفق عليه البشر.

راشد: كلامك جميل وصحيح.. والأمر موصول بما بدأناه، فمن خلال إقرارنا بحتمية وجود إله، واتفاقنا على أن لهذا الكون البديع المتناسق خالق قدَّر هذا الكون وأوجده من العدم، هذا الخالق هو الذي نصفه بأنه الرب، وهذا الرب - الذي هو خالقنا وخالق كل شيء - هو في الحقيقة هذا الإله الذي يستحق التأله والعبادة وينبغي ألا يعبد أحد سواه؛ أي: كما قلت أنت ينبغي ألا يتوجه أحد إلى غيره بالمهابة المطلقة والمحبة والخوف والرجاء المطلق.. ومن هنا نستطيع تلمس صفات هذا الإله الحق.

راجيف: إذا أقررنا بكلامك، أستطيع القول: إن الصفات الأولى البدهية أن يكون هذا الإله موجودًا وحيًّا، كما أن هذا الإله الرب ينبغي أن يكون خالقًا.

راشد: هذا صحيح، وهذا يقتضي بداهة أيضًا ألا يكون هذا الإله بذاته وصفاته مخلوقًا؛ فالخالق لا يمكن أن يكون مخلوقًا؛ لأنه لو كان مخلوقًا لاقتضى ذلك أن يكون مثلنا، له خالق؛ فلا يكون إلهًا ولا تجوز عبادته؛ وعلى ذلك لا تصلح جميع المخلوقات أن تكون آلهة.

مايكل: إذن، لا بد أن نعرف ما معنى الخالق؟

راشد: باختصار أستطيع القول: إن الخالق هو مخترع الأشياء من غير مثال أو نموذج سابق، أي: الذي أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة، وهو أيضًا القادر على إيجادها من العدم، وهو الذي يقدِّر هذه الموجودات والتركيبات، على تقدير أوجبته الحكمة، أي: ليست عبثية ولا على سبيل المصادفة.

أما صفات المخلوق اللازمة: فإن أهمها ألا يكون موجودًا قبل خلقه؛ أي: إنه محدَث له بداية، كما أنه لا بد أن يبلى ويفنى؛ أي: لا بد له من نهاية، وأيضًا فإنه محدود القدرات والإمكانات، ومحتاج دائمًا إلى غيره.

راجيف: وإذا كان هذا الإله الرب خالقًا، فطبيعي أن يكون مالكًا لما خلقه. وإذا قلنا إن ما في السماوات والأرض لله، مخلوقٌ له، لزم أن يكون جميع ذلك معلومًا له؛ لأنه لو خفي عليه شيء لكان العبد - في حالة اختفاء حاله عن علم الله- مستقلًا عن خالقه، كما أنه يدل على علمه: الإحكام والإتقان الذي نراه في المخلوقات، فهذا لا يكون إلا بكامل العلم.

راشد: ويترتب على الملكية: التصرف في السماوات والأرض وما بينهما: ويترتب عليها وعلى العلم: أن يكون له حق التسيير ووضع سنن الأشياء وقوانينها.

مايكل: ولكني أنا أيضًا أملك أشياء، وأنا أيضًا أعلم أمورًا كثيرة، فهل يدل ذلك على أن بي صفات إلهية؟.. لا أظن أن ذلك صحيحًا!

راشد: ملحوظتك مهمة جدًّا يا صديقي، وأرى أن الاسترسال في ذكر الصفات بهذه الطريقة سيطول رغم أهميته، ويمكننا التوصل إلى قاعدة عامة نجعلها معيارًا لهذه الصفات، ونستطيع – إلى حد كبير- استخراج الصفات من خلالها؛ اسمحا لي أن أعرض ملامح هذه القاعدة؛ وهي في الحقيقة حسب تصوري القائم على ثقافتي الإسلامية.

مايكل وراجيف: تفضل..

راشد: يمكن تلخيص هذه القاعدة في الآتي:

أولًا: يمكن تقسيم الصفات الذاتية عمومًا إلى قسمين: صفات نقص، وصفات كمال. الكمال هو: أن تتصف بالصفة الحسنة مع انتفاء نقيضها السلبي عن الموصوف. والنقص هو: أن تتصف بالصفة السلبية مع انتفاء نقيضها الحسن عن الموصوف. وعليه: فلكي يكون نفي الاتصاف بصفة سلبية نفي تنزيه، يجب الاتصاف بنقيض هذه الصفة، أي: بصفة من صفات الكمال؛ وإلا يكون النفي نفي نقص؛ لأن عدم الاتصاف بحد ذاته نقص وعجز.

ثانيًا: الشيء الذي يستنكف المخلوق منه، لا يمكن إثباته للخالق، فكل ما ينزه عنه المخلوق ويوصف به المذموم المعيب، فالرب تعالى أحق أن ينزه ويقدس عنه، ولا يصح أن يدخل ذلك المذموم في صفاته بوجه من الوجوه، لأن الإله هو الأكمل بكل وجه.

ثالثًا: الفصل التام بين الخالق والمخلوق؛ فالخالق ليس كمثله شيء.. وأما ما جاء من الأوصاف التي يمكن أن تطلق على الخالق والمخلوق؛ كالملك والعلم والرحمة والمحبة... فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي، لأن صفات الخالق سبحانه بخلاف صفات المخلوق، إذ صفات المخلوقين لا تنفك عن النقص والأغراض والأعراض.

مايكل: ليتك توضح ما تقوله بالأمثلة.

راجيف: وليتك توضحها مقرونة بالنقاط التي ذكرتها، وأن تكون هذه الأمثلة مما مر الحديث عنه، أو أمثلة واقعية.

راشد: حسنًا، النقطة الأولى: أن جميع العقلاء يتفقون أن الضعف صفة نقص، وكذلك الحاجة إلى الآخرين أو الأشياء صفة نقص؛ فعليه لا يصح أن يكون الإله الحق متصفًا بإحدى هاتين الصفتين، بل لا بد أن يكون منزهًا عن هاتين الصفتين ومتصفًا في الوقت نفسه بضدهما من صفات الكمال، التي هي: القوة، والاستغناء عن الآخرين.. ولذلك فإن قرآننا نفى الألوهية عن المسيح وأمه عليهما السلام بثلاث كلمات أصابت صميم المسألة، وهي قوله تعالى {كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة:75]، فالذي يحتاج أن يأكل الطعام إنما يأكله لإحساسه بالجوع وما يصاحبه من ضعف ووهن، ومن يأكل الطعام يكون – كغيره من البشر- محتاجًا لهذا الطعام، وعلى ذلك لا يصح أن يكونا أو أحدهما إلهًا؛ لأنهما لا تتحقق فيهما صفات الإله الحق.

وكذلك: اتخاذ الولد: يتنزه الإله الحق عن نقص مشابهة المخلوقين المحتاجين، فمن يطلب الولد يطلبه لامتداد الذكر وللعون وللإرث أو ما إلى ذلك، وكلها صفات نقص واحتياج لا تجوز على الإله الحق.

أما النقطة الثانية: فجميع العقلاء يستنكفون مثلًا أن يتصفوا بصفة العجز، فأولى ألا يتصف الإله الحق بهذه الصفة، بل لا بد أن يتصف بصفة الكمال المقابلة لها، وهي صفة }القدرة{، وهكذا إذا كان المسيح عاجزًا عن أن يدفع عن نفسه أذى أعدائه، أو لا تستطيع الأصنام أو الحيوانات المتخذة آلهة عند بعض الناس أن تدفع عن نفسها.. فإنهم يكونون عاجزين أن يدفعوا عن غيرهم وعن عابديهم ومحبيهم، وهذا يدرك بالبديهة، وعليه فإن العاجز لا يصلح أن يكون إلها يعبد بحق.

والعقلاء يستنكفون أن يوصفوا مثلًا بالظلم، وعليه: فالإله الحق لا يظلم لأنه العدل.. وهكذا كل نفي نقص يقابله إثبات لنقيض المنفي..

أخيرًا، النقطة الثالثة: فنأخذ مثلًا: صفة العلم، وهي صفة حسنة ونقيضها السلبي هو الجهل.. الكمال هو أن تتصف بالعلم وينتفي عنك الجهل.. والنقص أن تتصف بالجهل وينتفي عنك العلم.. الله سبحانه له الكمال المطلق في صفة العلم، لأنه يتصف بالعلم المطلق وينتفي عنه الجهل مطلقًا..

أما الإنسان فله كمال نسبي في صفة العلم، لأنه يتصف بالعلم لأمور في ذات الوقت الذي يتصف بالجهل لأمور أخرى.. فكماله نسبي فقط.. وهلم جرا في باقي الصفات..

مايكل: أحس ببرودة في الجو خاصة مع حلول الظلام، وأظن أن هذا يكفي الليلة.

  - متعلقات حوارات السعادة
  - متعلقات الرواية
  - متعلقات الفيديو