face google twiter youtube 

face
   

المرأة الملكة

المرأة الملكة

المرأة الملكة

بعد ساعة من تحرك القطار بدا أن الصديقين راشد ومايكل مستعدان لبدء حديث يمضيا به وقت السفر..

مايكل: لقد تحدثنا عن أمرين متعلقين بحقوق المرأة: تعدد الزوجات، والحجاب.. ما رأيك أن نستكمل بقية الأمور حول هذا الموضوع؟

راشد: فكرة جيدة، لعلنا بذلك ننتهي من هذا الملف.

مايكل: أول ما يرد في ذهني في هذا الموضوع هو دور المرأة، لماذا يصر المسلمون على ألا تشارك المرأة الرجل في جميع مجالات الحياة؟

راشد: إننا يا صديقي عندما نقول إن في الإنسان جانبًا ماديًّا أو حيوانيًّا، لا يعني ذلك أن خصائص هذا الجانب وأهدافه أو ثمراته تتماثل مع خصائصه وأهدافه وثمراته في الحيوان؛ فهناك فارق كبير؛ فنحن نجد أن الميلان الجنسي في الإنسان أكبر بكثير مما هو في الحيوان، في حين أن قوة الجماع أضعف بكثير من هذا الميلان، بعكس الحيوان.

وإذا أخذنا في الاعتبار ما رُكِّب في المرأة فطريًّا – بجانب الشهوة والجاذبية الجنسية – من الحياء والاحتشام والامتناع والصدود، فإننا نستنتج من ذلك وسابقه أن المقصود بوجود القوة الجاذبة الجنسية في الإنسان هو تحقيق الاتصال الدائم بين زوجيه، لا أن تنتهي كل نزعة جنسية فيها إلى وظيفة جنسية، وهو ما عبر عنه القرآن تارة بـ (السكن) وتارة أخرى بـ (المودة والرحمة).. هذا من الناحية النفسية.. أرجو أن يكون كلامي واضحًا.

مايكل: واضح، تقريبًا.

راشد: ومن ناحية بيولوجية فإن البحوث أثبتت أن المرأة تختلف عن الرجل في كل شيء: من الشكل الخارجي، إلى الأعضاء الداخلية، إلى ذرات الجسم وخلاياه؛ فخلايا المرأة مطبوعة بطابع الأنوثة، وهيكل جسمها وجهازها العضلي يختلف عن الرجل، ونظام جسمها كله يُرَكَّب تركيبًا تستعد به لولادة الولد وتربيته، أي: ليتلاءم مع وظيفة الأمومة، ومع بلوغها سن الشباب يعروها المحيض، الذي تتأثر به أفعال كل أعضائها وجوارحها، بل نفسيتها وحالتها المزاجية والعقلية، إذا لم نتحدث عن حالات الحمل والنفاس والإرضاع.

بل إن الهرمونات ونفسية المرأة تختلف عن الرجل، فمقابل إقدام الرجل وصلابته نجد حياء المرأة ودلالها.

ومن ناحية أخرى: يحتاج الولد الإنساني – بخلاف الحيوانات الأخرى – إلى رعاية والديه وتربيتهما بضع سنين، حيث يتأخر فيه اكتمال قوته وقدرته على الاستقلال بنفسه في المعاش، وهذا مما يراد به كذلك ألا ينحصر اتصال الرجل والمرأة في التعلق الجنسي بينهما، بل تحملهما ثمرة هذا التعلق على التعاون والتعامل في الحياة، ولهذا أيضًا فقد فطر الإنسان على أن يكون أحنى على أولاده وأكثر حبًّا لهم من جميع الحيوانات.

مايكل: وماذا بعد؟

راشد: من مجمل ذلك يتأكد أن الأسرة هي الشكل الاجتماعي الطبيعي للإنسان، ونستطيع استيضاح دور كل فرد ووظيفته في هذا الشكل أو هذه الوحدة، وهو دور يتناسب مع أهداف هذه الوحدة وطبيعتها (السكن، والمودة، والرحمة)، ويتناسب أيضًا مع إمكانات كل فرد فيها وقدراته.

مايكل: فهمت ما تقصده، فيكون دور المرأة هو إشاعة روح المودة وتحقيق السكن النفسي في الأسرة، ورعاية الزوج والأبناء.

راشد: تمام، ويكون دور الرجل توفير مقومات الحياة للأسرة، وما يتطلبه ذلك من التعرض للصعاب والمشاق.

مايكل: ولكن هذه النظرة تجعلنا نفقد نصف قدرة المجتمع الإنتاجية.

راشد: بالعكس؛ هذه النظرة تجعلنا نكسب المجتمع كله، ولكن كلًّا في مجاله وبيئته المناسبة؛ فالمرأة حين قاومت فطرتها وخرجت تزاحم الرجال في العمل؛ فإنها شقيت بعملها الجديد، وشقيت أسرتها وشقي زوجها؛ فشقي المجتمع كله، حاولت المرأة مرارًا التوفيق بين عملها وأعباء البيت ورعاية الأطفال فلم تنجح؛ إذ كان عليها أن تكون الزوجة الهادئة والأم الحنون والعاملة النشيطة، وأنَّى لها ذلك؟! فكانت النتيجة أن تدخلت أطراف أخرى لتشغل الفراغ الذي تركته، ولم تكن هذه الأطراف أمينة أو مناسبة لهذه الأدوار، وإضافة إلى ذلك: فقد أدي مزاحمة المرأة للرجل في العمل خارج المنزل إلى تعرض المرأة للرجال، وما يصاحب ذلك من تحرش واغتصاب وجرائم ترتكب ضدها، وامتهان للمرأة أثناء عملها في كثير من المهن والوظائف التي تشغلها خارج المنزل.

مايكل: إذا تحدثنا عن دور المرأة في الحياة على أنه دور أسري، فإن ذلك يجرنا إلى الحديث عن أمر آخر، أرى فيه تمييزًا ضد المرأة، ألا وهو موضوع قوامة الرجل على المرأة.

راشد: ليست القوامة تمييزًا للرجل ضد المرأة، ولكنها تنظيم للمؤسسة الاجتماعية التي تسمى (الأسرة)، فأي مؤسسة لا بد فيها من تحديد أدوار ومهام ووظيفة كل عضو، مع مراعاة مؤهلاته وإمكاناته، فليس المدير أعلى إنسانيًّا من المحاسب أو العامل مثلًا لأن له صلاحيات أوسع.

وفي حياتنا العملية نشاهد أنه قد تفرض مؤسسة أو منشأة بعض القيود سواءً بالإلزام أو المنع على الأفراد لمصلحة عليا ترتئيها الإدارة العليا أو يرتئيها الأمناء على المؤسسة، فمثلًا قد تفرض زيًّا معينًا، أو الالتزام بإجراءات أمنية معينة، وقد تلزمهم بإجراء تدريبات معينة، أو تمنعهم من ترك العمل والخروج من المؤسسة بغير إذن، أو عدم الانشغال بشاغل آخر غير العمل، بل قد يتضمن العقد مع بعض المؤسسات قيودًا على العامل بها بعد تركه للشركة.. وهذا كله معروف وغير مستنكر، ولا ينظر أحد إلى هذه القيود على أنها تمييز أو قهر على العاملين بالمؤسسة، وهذا كله ضمن نظام واضح ومعروف.. كما لا توجد مؤسسة أو منشأة ناجحة بغير وجود مدير له صلاحيات تتناسب مع المسؤوليات الملقاة على عاتقه والمساءلة التي قد يتعرض لها.

وهكذا، فإن مؤسسة الأسرة حتى تنجح لا بد لها من نظام يسير عليه الجميع، وهذا النظام قد يكون فيه تقييدات بالمنع أو بالإلزام.. ولا بد لها من قائد له صلاحيات تتناسب مع مسؤولياته، وتكون له القدرة على الحسم عند اختلاف وجهات النظر، ولكنه لا بد أيضًا أن يكون تطبيق هذا النظام واستخدام هذه الصلاحيات في ضوء قاعدة الحياة الأسرية التي تحدثنا عنها، وهي المودة والرحمة المحققة لهدف السُّكنى.

مايكل: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تكون القوامة للرجل؟! لماذا لا تكون للمرأة؟ أليس في ذلك منحى إلى عدم المساواة؟

راشد: رغم تحفظي على كلمة المساواة، التي أفضل بدلًا منها كلمة }العدالة{، إلا إنني أقول: إن المساواة أو العدالة تكون في الحقوق، أما ما نحن فيه فإنه توزيع للأدوار وشغل للوظائف الاجتماعية بما يناسب قدرات كل فرد وما هُيِّئ له.

في مؤسسة الأسرة قلنا: إن كلًّا من الرجل والمرأة قد هُيِّئا بشكل مختلف، وهذه التهيئة تناسب وظائف اجتماعية مختلفة، ولا تنس أنه في مقابل القوامة الممنوحة للرجل هناك أعباء وتكاليف عليه لا تفرض على المرأة، والقوامة بهذا الاعتبار تكليف أكثر من كونها تشريفًا, فهي تحمّل الرجل مسؤولية وتبعة خاصّة, وهذا يوجب اعتماد التعقّل والأناة, وعدم التسرع في القرار, كما أنه لا يعني مصادرة رأي المرأة ولا ازدراء شخصيتها.

والمرأة لا تصلح لهذه الوظيفة الاجتماعية أيضًا؛ لأن النساء كما قال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: “ناقصات عقل ودين”.

مايكل: ناقصات عقل؟! إن هذه نظرة دونية للمرأة، كما أن المرأة أثبتت تفوقها وقدرتها العلمية، وأنها لا تقل عن الرجل في اختبارات الذكاء.

راشد (ضاحكًا): الغريب يا صديقي أن معظم من حدثتهم بهذا الحديث فهم هذا الفهم الذي فهمتَه، يا عزيزي العقل المقصود هنا ليس هو الذكاء، العقل: هو القدرة على التحكم في تقدير الأمور بميزانها الحقيقي، وضبط النفس والانفعالات؛ بما يعين على اتخاذ القرار السليم وقت الأزمات والظروف الحرجة، أي بمعنى آخر: هو مقابل العاطفة والميل إلى الهوى، ولا ينكر أحد أن المرأة بطبيعتها تميل إلى العاطفة وتتأثر بها أكثر من الرجل، هذه طبيعتها النفسية، ودورها الاجتماعي يجب أن يتناسب مع هذه الطبيعة، ولعل هذا من الحكمة أيضًا في تقييد صلاحيات المرأة بإنهاء الكيان الأسري بالطلاق.

مايكل: إذا تحدثنا عن ظلم المرأة والنظرة الدونية لها، فلا بد أن يُذكر حقها في الميراث، لماذا يكون ميراث المرأة نصف الرجل؟!

راشد: أولًا: ليس في جميع الأحوال يكون نصيب المرأة في الميراث نصف نصيب الرجل. ثانيًا: كرامة الإنسان لا تحتم أن يُمنح الحقوق نفسها التي تُمنح للآخر تمامًا؛ فالعدالة لا تقتضي المساواة في جميع الأحوال، ولكن المساواة واجبة عندما تتطابق الحالات والظروف، أي: لا بد أن يؤخذ في الاعتبار طبيعة المرأة ودورها في الحياة، وأن تتوازن حقوقها مع واجباتها.

ففي مسألة الميراث مثلًا: فإن ما تحصل عليه المرأة يكون لها وحدها، بينما يأخذ الرجل ميراثه ويتقاسمه مع زوجته وأطفاله وأخواته إن كن غير متزوجات ووالداه إن كانا على قيد الحياة ولا معيل لهما؛ حيث هو مكلف بالإنفاق عليهم، وفضلًا عن كونه يقدم للمرأة مهرًا على سبيل الهدية ويُلزَم بتوفير بيت الزوجية وتأثيثه، وعليه أن يتحمل جميع مصروفات البيت والزوجة والأولاد، ولا يحق له إجبارها على العمل.. فإنه لا حق له في أموال زوجته وممتلكاتها، إضافة إلى كون المرأة تتمتع باستقلال ذمتها المالية تمامًا، وهو ما لم تصل إليه كثير من نساء الغرب الذي يدعي أنه أنصف المرأة.

هل تبقى شيء في هذا الملف تحب أن نناقشه؟

مايكل: نعم، تبقى مسألة الطلاق، ولكني أرى أن نستريح قليلًا.

  - متعلقات طريق السعادة
  - متعلقات حوارات السعادة
  - متعلقات الرواية
  - متعلقات الفيديو
الإيمان والقلق لا يلتقيان