face google twiter youtube 

face
   

التمييز ذو القناع الحضاري

التمييز ذو القناع الحضاري

التمييز ذو القناع الحضاري

بعد ساعتين وربع الساعة من السفر وصل الصديقان إلى باريس، التي لم يزرها راشد من قبل، خرج الصديقان من محطة القطارات وبدا أن مايكل يعرف باريس جيدًا وأن بينه وبينها علاقة حميمية.

مايكل: راشد! هذه باريس، عاصمة النور.. من هنا عرف العالم شعار (حرية- إخاء- مساواة)، وانطلقت مبادئ حقوق الإنسان للعالم.

راشد: انظر!! انظر يا مايكل.. هذه امرأة يستوقفها الشرطي، فيما يبدو أنها لم ترتكب جرمًا أو مخالفة!

مايكل: أوه، إنها منتقبة، منذ يومين بدأ تنفيذ قانون حظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة في فرنسا، ولعل هذا الشرطي يستوقفها ليحرر لها غرامة مخالفة هذا القانون، وقد تتعرض للاعتقال.

راشد: في الأماكن العامة؟! أي إن القانون يسمح بارتداء المرأة النقاب في بيتها.. ما شاء الله!.. منتهى الحرية للمرأة وللمسلمين! لقد تذكرت هذا القانون، وتذكرت أيضًا أن هذا القانون ليس في فرنسا فقط، بل يوجد شبيه به في بلجيكا، وطبقته بلدة بشمال إيطاليا، وهناك جهود محمومة في هولندا وإسبانيا وغيرهما لإصدار فوانين مماثلة، وفي أستراليا خولت الحكومة الشرطة حق كشف وجه المنتقبات والكشف عن شخصياتهن.

مايكل: أعتقد شخصيًّا أن هذا المنع يحول دون ممارسة المرأة لحريتها الشخصية في أن ترتدي ما تشاء، وصدور هذا القانون يُعد تراجعًا للحريات في فرنسا، هذا مساس حقيقي بالحريات الشخصية في دولة فيها أكثر من مئة مادة قانونية تطالب باحترام حرية الآخرين.

ولكنهم هنا يرون أن ذلك يتماشى مع مبادئ دولتهم العلمانية التي تحظر استخدام الشعارات الدينية، كما أن السلطات الفرنسية تصف النقاب بأنه نوع جديد من العبودية لن تقبل به الجمهورية (الفرنسية) على ترابها.

راشد: مبادئ العلمانية تحظر استخدام الشعارات الدينية على الدولة ومؤسساتها، ولكنها لا تحظرها على الأفراد، ثم: لماذا يكون هذا الحظر على المسلمين فقط، هل يفعلون ذلك على من ترتدي صليبًا على صدرها أو ترتدي زي الراهبات؟! ويا عجبًا على مفهوم العبودية في منطق هؤلاء، هل دفع المرأة للتعري وأن يستمتع بها الرجال من كل حدب وصوب ليس عبودية، وأن تستر امرأة جسدها بكامل إرادتها واختيارها عبودية؟! نعم يا سيدي إنها بالفعل عبودية، ولكنها عبودية لله رب العالمين..

لقد فهمت الآن معنى الحرية في شعار الثورة الفرنسية.. إنها الحرية من الارتباط بالله ومن العبودية له، وليست الحرية من المخلوقين، هذه الحرية صادرتها سلطات الدولة العلمانية التي احتلت مكانة الله واحتكرت توزيعها والسماح بها لمن تشاء وكيف تشاء، لقد كانوا يقولون عن حد الحرية “حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين”، فهل يعدون اطلاع الآخرين على أجساد النساء حرية وحقًّا لأجله يجب تقييد حرية المرأة المسلمة؟! إن الأمر ليس مسألة حجاب، إنه خوف أوروبا من الإسلام.

مايكل: لا تضخم الأمر سيد راشد، في أوروبا يعيش كثير من المسلمين ويتمتعون بحقوقهم مثل غيرهم، كما يحصلون على فرص تعلم وعمل لا تتوفر في بلدانهم.

راشد: أنا لا أضخم الأمر، ولكن هناك شواهد عديدة تصب فيما أقوله: الخوف من الإسلام.

مايكل: مثل ماذا؟

راشد: مثل: حظر بناء المآذن في سويسرا، حارسة حقوق الإنسان، بلد الحياد واتفاقيات جنيف، ما الذي ستسببه المآذن من مشكلات أو أضرار على المجتمع في بلد لا يمثل المسلمون فيه أكثر من 4% ولا يوجد فيه سوى أربعة مآذن فقط؟!! من الواضح أن هذا الحظر يحمل في طياته خوفًا مرضيًّا وموقفًا عدائيًّا من الإسلام.

مايكل: مع كوني لا أؤيد شخصيًّا هذا الحظر، إلا إنني أتفهم أنهم يرون أن هذه المآذن تتنافى مع قيم دولتهم، ويرونها خطرًا على هوية بلادهم.

راشد: طبعًا حين أضع في مخيلتي كيف أن هذا الحظر لا يشمل جميع رموز المعابد الدينية كأبراج الكنائس ومعابد اليهود، فإنني أفهم حدود العلمانية التي يدّعون أن دولهم قامت عليها، وأفهم حقيقة المساواة التي ينادون بها.. والأمر لا يقتصر على ذلك، بل تعداه إلى النيل من كل رمز للإسلام حتى إن كان هذا الرمز هو رسول الإسلام نفسه، كما شاهدناه في أزمة الرسوم المسيئة إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم التي حدثت في الدانمارك وبلدان أخرى تضامنت معها في هذا التعدي.

مايكل: يا سيدي هذه حرية تعبير، وفي بلادنا لا يوجد شيء مقدس أو ممنوع في حرية التعبير، وفي مرات عديدة نال المسيح نفسه ورموز دينية أخرى نصيبها من النقد أو السخرية.

راشد: بل يوجد عندكم مقدس لا يُمس، لا بحرية التعبير ولا حتى بحرية البحث العلمي؛ فبعدما نشرت الجرائد الدانماركية الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم انتشرت عدواها إلى عدد من الدول الأوروبية، وتبنتها ودافعت عنها عدد من الحكومات الغربية مع أنها تطعن في أعظم الرموز الدينية لدى مليار ونصف المليار من المسلمين، ورفضوا الاعتذار بدعوى حرية التعبير.. قضت محكمة استئناف هولندية بتغريم جماعة هولندية مسلمة 2500 يورو لنشرها رسمًا كاريكاتوريًّا يوحي بأن (الهولوكوست) من اختلاق اليهود أو أنهم ضخموها عن حقيقتها... وبررت المحكمة القرار السابق بأن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تولي أهمية كبرى لحرية التعبير وتدافع عنها بقوة تستثني من ذلك أي نفي للمحرقة أو التقليل من شأنها. وكانت إحدى المحاكم الفرنسية حكمت في عام 1998م على المفكر الفرنسي جارودي بتهمة التشكيك في محرقة اليهود, لأنه فقط شكك في الأرقام الشائعة حول إبادة يهود أوروبا على أيدي النازيين. وفي عام 2006م أصدرت محكمة نمساوية حكمًا ضد المؤرخ البريطاني ديفيد إيرفينج بالسجن ثلاثة أعوام بسبب انكاره التفاصيل الرائجة لمحرقة اليهود. وفي عام 2009م فرض القضاء الألماني غرامة مقدارها 10 آلاف يورو على الأسقف الكاثوليكي البريطاني ريتشارد ويليامسون؛ لأنه صرح أن عدد الضحايا اليهود الذين قضوا في معسكرات الإبادة النازية تراوح بين 200 ألف و300 ألف نفس. وغيرهم كثيرون، لم يجدوا في حرية البحث أو حرية التعبير ملاذًا من هذا المقدس.

مايكل: من المؤكد أن تاريخًا طويلًا من العداوة المتبادلة بين المسيحيين والمسلمين، فضلًا عن الحالات الأخيرة من العنف الإسلامي المتعصب، حَمَل عديدًا من الناس على الخوف من الإسلام على نحو لن نجد له مثيلًا تجاه الهندوسية أو البوذية على سبيل المثال.. هل تنكر أن بعض تصرفات المسلمين تشكل عاملًا مهمًّا في إيجاد حالة الخوف المرضي من الإسلام؟

راشد: ها نحن نقترب بالفعل من الحقيقة، لا أنكر أن سلوكيات بعض الأفراد وجماعات من المسلمين توجِد الذريعة لبعض الجهات المعادية لهم لاستغلالها في تأجيج حالة العداء والتخويف من الإسلام والمسلمين.. ولكننا في الوقت نفسه يجب أن نضع الأمور في نصابها وحجمها الحقيقي؛ فنحن لا نستطيع أن نتغافل أن هناك أبعادًا أخرى لحملة العداء للإسلام والمسلمين، وباستخدام هذه الأحداث التي تذكرها يراد الوصول إلى تحقيق أهداف هذه الأبعاد لمصلحة جماعات عنصرية أو معادية للإسلام والمسلمين.. وإلا فإننا إذا تتبعنا الأحداث بتجرد وموضوعية فإننا سنجد أنه لا توجد جماعة دينية أو عرقية تخلو من صدور حوادث عدائية أو إجرامية من المنتسبين لها، ولكن إبراز هذه الأحداث أو التعمية عليها أو التغافل عنها هو الذي يضع هذه في بؤرة الرصد والمتابعة ويطوي هذه في صفحة النسيان.

مايكل: ماذا تقصد بالأبعاد الأخرى؟

راشد: سأذكر لك بعضًا من هذه الأبعاد وليس جميعها:

لقد فتحت أوروبا في الماضي باب الهجرة للعرب والمسلمين لأهداف محددة، من أهمها: تكثير عدد سكان أوروبا لتعويض اختلال ميزان الزيادة السكانية الناتج عن تفكك الأسرة الغربية وانصراف الأوروبيين عن الإنجاب، وبالطبع لم يكن هذا الانفتاح طمعًا في الكهول المشربين بالعادات والتقاليد الإسلامية، ولكن طمعًا في الجيل الذي سيولد في الغرب الذي يمكن إخضاعه لعملية تشكيل حضاري يسمح بأن يكون النسيج الاجتماعي والثقافي والحضاري في الغرب بعد خمسين سنة واحدًا.. هكذا كان يخطط الاستراتيجيون الغربيون.

ولكن لاحظ هؤلاء الاستراتيجيون أنّ الصحوة الإسلامية التي بدأت في العالم الإسلامي انتقلت إلى العالم الغربي، وأصبحت حجر عثرة في طريق استكمال اندماج المهاجرين المسلمين وأبنائهم في النسيج الحضاري الغربي، وعليه أصبح أبناء المرأة المحجبة أو الأسرة الملتزمة بالإسلام عرضة أكثر لأن يظلوا محافظين على قيمهم الدينية ومبادئهم الإسلامية الأصلية، وهو الأمر الذي يعتبره هؤلاء عقبة في وجه إنجاح سياسة الاندماج بشكل كامل.

وقد أصبح هذا الجيل من أبناء المسلمين مصدر قلق حول تبدد المشاريع الاندماجية في الغرب، ومن ثم: وجد الغرب نفسه أمام مشكلة حقيقية تتمثل في نشوء كتلة بشرية متنامية تحمل خصائص هوية حضارية مختلفة عن الهوية الغربية.

إذن فالسبب الرئيس لهذه الحملات العنصرية هو الشعور الغربي المرير بمخاطر فقدان الهوية، وهذا ما أدى إلى الانزعاج من كل رمز أو مظهر إسلامي؛ فهم يتخوفون من أن هذه المظاهر البسيطة إن تركوها فإن بقية المنظومة الإسلامية ستزحف عليهم.. فقرروا القضاء عليها في المهد؛ فصراع الحضارات الآن أصبح مع الإسلام بعد أن توارت الأيديولوجيات الأخرى، وهو ما عبرت عنه الدعوة التي أطلقها المفكر الأمريكي صمويل هانجتون بـ “صراع الحضارات”، معبرًا عن تيار فكري وسياسي في الغرب.

مايكل: لقد وصلنا إلى الفندق، والموضوع الذي فتحته يحتاج حوارات عديدة.

  - متعلقات حوارات السعادة
  - متعلقات الرواية
  - متعلقات الكتب
  - متعلقات الفيديو
يتغلغل في الحياة !!