face google twiter youtube 

face
   

تناقضات

تناقضات

تناقضات (1)

الساعة الآن الثامنة والنصف، هل سنتمكن من الالتزام بالموعد مع جرجس؟ لنفطر سريعًا ثم نتحرك إليه، وفي الطريق اتصل به وأخبره أنّنا قد نتأخر قليلًا، وسيتفهم الأمر، جرجس رجل محترم لولا قسوته عليّ بالأمس. قسوته؟! اتصل علي بالأمس ولم يدع شيئًا يمكن أن يقال إلا وقاله لي من أجلك. أكرر أسفي عن كل ما حدث. يبدو أنك تريد أن تنقض اتفاقنا! لا، شكرًا لك جمال، كم أنا ممتن لك.

وصل جورج وجمال شركة التوظيف العالمي، وسأل جورج عن جرجس، فأخبره السكرتير بأنّه في انتظاره، فدخلا ورحب جرجس بهما..

بشرني.. هل أحضر صاحبك المحفظة؟! دعنا نجلس أولًا، ثانيًا: أعتذر عن التأخير. كلمت صاحبك الذي اسمه جمال بالأمس طويلًا، والحقيقة أنه رجل محترم ولا أظنه سرقها، لكني ضغطت عليه كثيرًا. آسف لقد أتعبتك وأعتذر لك وآمل أن تسامحني، لقد كان جمال شخصًا رائعًا وسامحني، لقد وجدت محفظتي في حمام الفندق! آه، رحمتك يارب، عفا عنك الرب وعفا عني، لقد قسوت على جمال كثيرًا! أعرفك بصديقي جمال. أعتذر لك أخي عما بدر مني بالأمس. عفا الله عنك، لا بأس.. انتهى الموضوع واتفقنا أن نغلقه ولا نتكلم فيه. ومتى عرفت أن جورج وجد محفظته؟ عرفت الساعة الثامنة عندما قدمت له ذهب زوجتي مقابل محفظته. غفرانك يارب، أكرر اعتذاري، صدق الله {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحُجُرات:6]. ما هذا النص؟ هذا نص من القرآن الكريم. هل يحفظ المسيحيون عندكم القرآن أيضًا؟

ألم أقل لك عندي مفاجأة لك غدًا ولا أدري إن كانت ستعجبك أم لا! أنا أسلمت من ستة أشهر فقط. أسلمت وتركت النصرانية؟! نعم.. وما الغريب في الأمر؟ كثيرون هم الذين يسلمون، بل الإسلام أسرع الأديان انتشارًا في العالم كله. لا غريب، لكني لأول مرة أرى شخصًا غير مسلم وأسلم.

اندهش جمال ووضع يده على رأسه، وقال:

كنت أستغرب لما تقول لي أخي، وأقول ربما يقصد في الإنسانية، مبارك عليك أخي سعادة الدنيا والآخرة. سعادة الدنيا والآخرة! أما الآخرة: فلا أعرف، وأما الدنيا: فسعادتها في الغرب لدينا. إن كنت تقصد وسائل الراحة والرفاهية فنعم، وإن كنت تقصد السعادة المعنوية فحالات الشقاء في ازدياد؛ ولذا حالات الانتحار والجنون والانهيار والأمراض النفسية في الغرب في تزايد كبير. هل تقصدني يا جمال؟ لم أفهم! ما علاقتك بما ذكرت. أنا جزء من الغرب الذي تتحدث عنه. القضية في تحرير معنى السعادة إن كانت الرفاهية أم في الشعور الداخلي، وأظن أن الحياة المادية المفتقدة للروحانية هي سبب الخلط في الفهم، ولذا هي سبب الشقاء. الحمد لله أنك وجدت محفظتك، وليست قضيتنا السعادة؛ بل القضية أن الناس ينتظرون المقابلات ولدينا عمل. صدقت.. عذرًا، أترككما الآن.. متى أرجع إليك يا جورج؟ أتوقع أن نتأخر وأقترح أن ترتاح اليوم عندما ننتهي سأوصله للفندق بنفسي. شكرًا لك.. جمال هل تشرفني برؤيتك غدًا الساعة الثامنة؟ اتفقنا استأذنكما، السلام عليكما ورحمة الله وبركاته. جمال رجل رائع، كيف تعرفت عليه؟ عن طريق أخيه في بريطانيا، من المناسب أن أقول لك ما لا تعرفه؛ وهو أنه قبل أن نأتي كان يقول عنك محترم جدًّا، رغم أنه يقول أنك قسوت عليه جدًّا، كما أنه كان يحسبك مسيحيًا. في الإسلام نحن مطالبون بالعدل حتى مع أعدائنا، قال تعالى {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8]، دعني من هذا الآن نحتاج أن نتناقش في العقود أولًا، ثم تبدأ بالمقابلات، فوقتك حسب ما فهمت ضيق وقصير. نعم، ولكني أود أن أتناقش معك في موضوع إسلامك فيما بعد. على وجبة الغداء أو أثناء عودتنا للفندق.

في السادسة مساءً غادر جورج وجرجس شركة التوظيف عائدين إلى الفندق، بعد يوم مليء بالمقابلات والعقود والاتفاقات، ركب جورج مع جرجس في سيارته..

لقد بذلت جهدًا كبيرًا في يوم واحد، وأنهيت جميع المقابلات، فكيف كان من قابلتهم؟ في الحقيقة أفضل مما توقعت، وأعجبني غير القضايا المهنية طبيعتهم الاجتماعية؛ فمثل هذا لم نعتده في بريطانيا، يبدو أن مهمتي ستكون أسهل بفضل جهودكم. وما هي المرحلة القادمة؟ لا أود أن أستعجل، بقي لدي مقابلتين غدًا وبعد غد في مكتبين آخرين، ثم سأتخذ القرار المناسب. جيد؛ فالعجلة ليست جيدة، أليس كذلك؟ ذكرتني بالمشكلة في الحقيقة.. كم أنا ممتن لجمال، هذا الشخص الرائع.. لكن بما إنك تقول العجلة ليست جيدة، لماذا استعجلت وأسلمت؟! ههههه، لا تستعجل في الحكم! ومن قال لك أني استعجلت؟ بل تأخرت كثيرًا جدًّا. كيف؟ أخذت وقتًا حتى اقتنعت بالإسلام، وكان من أقنعني صاحب الشركة، مع أنه لم يضغط علي أو يأمرني أو يضايقني لأسلم، وحتى هذه المرحلة لا يوجد تأخير، لكن بعد ما اقتنعت جلست بعدها ستة أشهر قبل أن أسلم وهذا هو التأخير. ستة أشهر قليلة جدًّا واستعجال لقرار خطير كهذا! ماذا لو مت فيها، ونلت خزي الدنيا والآخرة؟

عجيب ربطكم دائمًا بين الدنيا والآخرة، لكن يمكن أن توضح لي ما هو الخزي الذي في الدنيا والآخرة؟ أما خزي الدنيا؛ فأنا لم أشعر بالطمأنينة والراحة والسعادة حتى أسلمت! ربما تستغرب ذلك لكن هذه هي الحقيقة، فمعاني التوحيد لله والعبودية له واللجوء إليه وحده لا شريك له تشرح الصدور وتبهج النفوس، حتى لو كان في الواقع مشاكل، فقد هجرني بعض أقاربنا بل وحاولوا إيذائي. التوحيد والعبودية تشرح الصدور؟! نعم.. كما أن الوثنية والشرك والتثليث توغر الصدور، أما خزي الآخرة؛ فأنا لا أود أن أقدم على الله وأنا أشرك معه غيره، فهو رغم كرمه ورحمته لا يغفر الإشراك به ويغفر ما دون ذلك، لكن ربي لطف بي فلم أمت حتى أسلمت. غريب كلامك! وما وجه الغرابة فيه؟ بما أننا وصلنا لنكمل نقاشنا في مطعم الفندق. آمل أن تعفيني.. فقد تأخرت على البيت، ونتناقش في ذلك فيما بعد. هل يعني ذلك أني سأتناول الوجبة وحدي! إذا كان ذلك لا يضايقك. لا بأس، أستأذنك.


تناقضات (2)

صعد جورج إلى غرفته ووضع أغراضه وحقيبته، ونزل مباشرة إلى مطعم الفندق، فقد كان يشعر بجوع شديد.. وفيما كان يتناول عشاءه، وقف بجواره شخص يرتدي ملابس غريبة..

اسمي رامي هل تأذن لي أن أتحدث معك؟ تفضل. أنت الذي أسعفوك بالأمس إلى المستشفى؟ نعم. انتبه من اللصوص في هذه البلد كثيرًا. نعم.. لقد سرقت بالأمس. أعرف ذلك، ولهذا حذرتك. كيف عرفت؟ أنا أعرف كلّ شيء عن طريق الأرواح. أي أرواح؟ هذا سر من أسراري. وهل تعرف ما سيحصل لي غدًا؟ نعم. ألا يتعارض هذا مع العقل والدين؟ هل تعرف ديننا أكثر منا، هل أنت مسلم؟ لا، لكن في قرآنكم: (لا يعلم الغيب إلا الله). هذا علم، فدعني من الأديان كلها. لست مسلمًا، ولكني أعتقد أن ذلك خرافة وليس علم، وهكذا لدينا نحن المسيحيين، ولا أعرف عنكم المسلمين ذلك! هههه، إيطاليا بلد المسيحية، هل تعرف أن عدد العرافين فيها أكثر من عدد علماء الدين! أعرف أن الخرافة لدينا في الغرب تنتشر بسرعة بسبب بحثنا للروحانيات التي نفتقدها، لكني أعتقد أنها خرافة، فهل يمكن أن تقنعني بهذا العلم؟ نعم. سرقت أمس مرتين، فهل تعرف من سرقني؟ هل يمكن أن تعطيني يدك أنظر فيها؟ تفضل. الذي سرقك في السرقتين شخص قريب منك جدًّا. رائع، يبدو أنك تعلم الغيب حقيقة، ماذا سرق مني؟ سرق أشياء مهمة لديك جدًّا. وأين وضعها؟ في مكان ما قريب.. بعيد، فقط أحتاج منك 10 دولارات لأعطيها للروح التي ستخبرني بمكانها. إذا أخبرتني أين محفظتي التي سرقت مني سآخذها، وأعطيك منها 100 دولار. أعطني أولًا 10 دولارات. ليس لدي الآن. أخبرتني الروح الطيبة أنه ستواجهك مشاكل كبيرة إن لم تدفع المبلغ الآن. ههههه، أنا انتهيت من وجبتي، أخبر الروح الطيبة التي عندك أنها كاذبة، وأن محفظتي معي ولم تسرق مني، كنت أتسلى بك.

صعد جورج إلى غرفته وهو يتندر ويسخر بالعراف الذي جلس معه، ويستغرب حقيقة لماذا العرافين في روما أكثر من رجال الدين؟ هل أفلس الدين وخالف المنطق والعقل والعلم أكثر من الدجالين والمخرفين، فتح حاسوبه لينظر في رسائل البريد الإلكتروني التي لم يرها بالأمس.. وجد رسالة من جانولكا:

«عزيزي جورج قرأت رسالتك وقد ساءني جدًّا ما حصل لك، ولكن لا بد من بيان أمرين؛ الأول: أنه يجب أن نفصل بين أي دين أو فكر أو مذهب وبين تصرفات بعض أفراده ما لم يكن دينهم يحثهم على ذلك، الثانية: أنا أعايش المسلمين هنا وهم في الجملة أبعد الناس عن السرقة رغم فقرهم وضعف النظام عندهم ورغم خلافاتهم القبلية، فالداعي أكبر ومع ذلك يمتنعون تدينًا لا خوفًا من النظام، لأن دينهم يمنعهم من ذلك، أما نحن فيمنعنا في الغالب النظام لا الأخلاق أو الدين، فإذا كُسر النظام انفرطت الأمور وأنت أعرف مني بالتجارب الغربية، أخيرًا أحب أن أخبرك بأني رغم عنادي أوشكت على أن أسلم لولا بعض الترتيبات والتخوفات. جانولكا»

فرد عليه:

«عزيزي جانولكا أشكرك على تعاطفك معي، والحقيقة لا أدري ما أقول لك لكني ظننت بأني سرقت، واتهمت صديقي المسلم وظلمته، ثم ظهر معدنه الرائع وأحرجني برجولته وشهامته وأخلاقه، ولا أعرف كيف أعتذر له عن حماقتي! بالنسبة لإسلامي؛ فأنا لا أعرف لماذا؟ لكني أشعر أنه غير ممكن في هذا الوقت بالنسبة لي على الأقل، فلا زالت لدي إشكالات كبيرة فيه؛ مثل وضع المرأة، وحقوق الإنسان، والمستوى الحضاري لهذا الدين، وآمل أن تفيدني بما تتوصل إليه في هذا. جورج»

ثم فتح رسالة وصلته من ليفي:

«عزيزي جورج تألمت لما حصل لك، وقد حذرتك ونبهتك، وربما يكون ما حصل خيرًا ليبطئ اندفاعك أنت وخطيبي حبيب للإسلام، هل هناك شيء يمكن أن نساعدك به، بإمكانك أن تأتي إلى تل أبيب وسيكون ذلك قمة السعادة لنا جميعًاً وخلاصك من المسلمين الإرهابيين، أنتظر قدومك بفارغ الصبر. ليفي»

فرد عليها:

«عزيزتي ليفي اشتقت إليكِ كثيرًا، ولا أستغني عن نصائحك أبدًا، إلا أنني في الحقيقة لا أدري ماذا أقول لك.. لكني ظننت بأنّي سرقت واتهمت صديقي المسلم وظلمته، ثم ظهر معدنه الرائع وأحرجني برجولته وشهامته وأخلاقه، أكرر لك أني لست مندفعًا للإسلام وإن كنت إلى الآن معجب بكثير من أحكامه وعقائده ولم أحسم أمري في بعضها الآخر، ومبارك خطبتكِ من حبيب، وصدقيني لن تجدي مثله في عقله وعلمه وفهمه، تحاوري معه وستجدي لديه ما ليس لدى أحد غيره، كم أتمنى أن آتيك في تل أبيب، وإن كنت أؤكد لك أني ألقى هنا نفس الحفاوة التي لقيتها منك في تل أبيب، ولعله يتيسر لي زيارتكم قريبًا. جورج»

ثم وجد ضمن الرسائل الواردة رسالة من كاترينا:

«حبيبي جورج أخبرني آدم بالسرقة التي حدثت لك من أخي باسم لما زرته بالأمس في المستشفى، وكم آلمني ذلك، وأرجو أن تتثبت؛ فمن معرفتي القريبة خلال اليومين الماضيين عند زيارتي لباسم أثناء تعريفه لي بالإسلام، لا أعتقد أن أخاه إن كان مثله يمكن أن يفعل ذلك، طمئنا عنك».

رد عليها:

«حبيبتي كاترينا ثبت لدي بالدليل القاطع الذي لا شك فيه أنه لم يسرقني؛ فاطمئني، وإنما الذي حدث سوء فهم مني، فاعتذري لباسم عني، وبالمناسبة: هل يعقل أن كاترينا الكاثوليكية المتدينة تريد أن تعرف الإسلام؟! أم أن القرآن أو كتاب «حبي العظيم للمسيح أدخلني الإسلام» الذي كنت خائفة من قراءته أثر فيك؟! اشتقت إليك كثيرًا حبيبتي. حبيبك جورج».

ظلّ يتصفح الرسائل التي وردت إليه من أصحابه إجابة على تساؤلاته التي أرسلها لهم، ثمّ لخصّها وأعاد إرسالها إليهم جميعًا..

«بخصوص الإرهاب: حبيب: الإرهاب لا دين له ألبته. ليفي: إن لم يكن المسلمون الذين قتلوا أبي إرهابيين؛ فلا أعرف معنى للإرهاب! كاترينا: ليس في الإسلام إرهاب. آدم: الإرهابي هو الذي يحتل البلاد لنهب خيراتها. توم: الإرهاب شماعة يستخدمها الإرهابيون للتخويف مما لا يحبون. جانولكا: أخطر أشكال الإرهاب الإرهاب الفكري؛ وهو التخويف من مجرد التفكير، أما الإسلام فهو يدعو للتفكير. جورج: لم أر حتى الآن أية علاقة بين الإرهاب والإسلام إلا من خلال وسائل إعلامنا.

أما بخصوص المرأة: كاترينا: المرأة مكرمة جدًّا في الإسلام، وإن كنت لم أفهم الحجاب حتى الآن. ليفي: ليس بأسوأ من اليهودية أو المسيحية. توم: أحتاج أن أبحث أكثر في هذا الموضوع، ففي القرآن {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى}[آل عمران:36]. حبيب: لم يظلمها. جانولكا: في ثقافتنا نطالب بمساواة الرجل بالمرأة، رغم الاختلافات الظاهرة ورغم كوارث المساواة بل استحالته، أما الإسلام فعاملها بالعدالة وأعطاها حقها. آدم:لم يكرم المرأة دين كما كرمها الإسلام، وقارنوا إن شئتم مع أي دين سماوي أو أرضي. جورج: لا يزال في نفسي شيء من الحجاب والمصافحة والمواريث وغيرها، وسأحاول أن أستبينها». وبما أن إجاباتكم عن الإسلام إيجابية في غالبها، فسيكون سؤالي مباشرًا: ما الذي يمنعكم من الإسلام؟ أجيبوني بعمق وواقعية خلال يومين؟ محبكم جورج».

دخل صفحة الفيس بوك لتوم؛ فلم يجد شيئًا ذا بال، ثم دخل صفحة الفيس بوك لآدم؛ فوجد حلقة جديدة من: «دروس من صديقي الباحث على السعادة 5»:

«كررت لكم أكثر من مرة بأن صديقي في المراحل الأخيرة، وأعتقد أنه مقتنع إلى حد كبير بأن الإسلام هو طريق سعادته، ولن يجيبه على تساؤلاته الكبرى إلا الإسلام، لكن الهداية تبقى بيد الله وحده. زوجته بالأمس كانت تبكي بكاء شديدًا تأثرًا وحبًا في الإسلام، ولا أدري إن كانت قد أسلمت أم لا؛ فقد رجعت لبيتها وهي تبكي، ولعل الله يدلّها على سعادة الدنيا والآخرة، أما صاحبي فبقدر ثقتي في عقله وفهمه، بقدر خوفي عليه من المسلمين. هو الآن ذهب لمصر للتعرف على الإسلام، لكنه للأسف يقول أنه سُرق من المسلمين، ولم يفهم الفرق بين أن يكون الخطأ والخلل في الإسلام أو في المسلمين، وإن كنت أعتقد أن فيه من الصدق ما يجعله يتجاوز هذه المحنة ويدخل في الإسلام، وألخص الدروس في التالي: الإسلام شامل كامل من العيوب، بخلاف المسلمين فما أكثر أخطاءهم للأسف. اتخاذ القرار بالدخول في الإسلام يحتاج إلى شجاعة كبيرة وفهم عميق، ربما يحتاجها صاحبي كثيرًا. ينبغي ألا نستعجل في دخول الناس للإسلام وسلوكهم طريق السعادة؛ حتى يتم ذلك بقناعة كاملة. ليس لدينا في طريق السعادة شيئًا نخفيه؛ فهو كامل من كل وجه، مقنع من كل وجه. على كل من شرفه الله بمعرفة طريق السعادة أن يبينه للناس بالحسنى وتبقى الهداية بيد الله وحده. أتمنى لصاحبي الخير وإن كنت حقيقة لا أدري هل سيفتح الله على قلبه أم لا؟! انتظروا الدرس السادس.. آدم»

كان حديث آدم عن كاترينا مزعجا جدًّا له، فكان يتساءل: هل يعقل أن كاترينا قد أسلمت؟ مستحيل.. ربّما كانت تجامل آدم وفهمها خطأً، بل ربّما آدم يكذب ويحاول أن يظهر لقراء صفحته أنه استطاع إدخال كاثوليكيّة في دينه، فرسالتها الأخيرة بالأمس لم تخبره فيها بأنّها ستسلم.. راجع تاريخ مقالة آدم فوجدها قبل ساعتين، بينما كانت رسالة كاترينا له بتاريخ صباح الأمس، هل يعقل أنها أسلمت مساءً؟ لماذا لم تخبره إذن؟ رسائل كاترينا الأخيرة كلها تحمل رأيًا إيجابيًّا عن الإسلام، بل إنها فصلت بين الإسلام والمسلمين في حادثة السرقة، أليس هذا دليلًا على إسلامها؟ لكن كاترينا متحمسة دومًا للكاثوليكيّة، وتحب المسيح حبًّا عظيمًا، ولأجله تفانت في خدمة الكنيسة، هل من الممكن أن تترك ذلك كله؟ بات جورج ليلته في صراع عنيف، تارة يرى أن من حق زوجته أن تعتنق ما تشاء، وتارة يجد في داخله حنقًا عليها، وتارة يكذّب خبر إسلامها، كان يتساءل: هل لو أراد الإسلام لابد أن يخبرها أم هذا نوع من التفريق بين الرجل والمرأة! همّ أن يتصل بها أكثر من مرة، لكنه أمسك نفسه، فقد كان بإمكانها هي أن تتصل وتخبره بنفسها، أو على الأقل أن ترسل له بريدًا، لكنه فيما يبدو أن كاترينا لم تتخذ قرارًا مصيريًّا كهذا بعد..

تناقضات (3)

استيقظ جورج في السابعة صباحا ثقيلًا متعبًا، فأخذ حمّاما سريعًا ونزل لمطعم الفندق لتناول الإفطار، ثمّ جلس في الاستقبال ينتظر قدوم جمال ليذهبا معًا إلى شركة التوظيف. وصلا إلى الشركة وطلبا من السكرتير مقابلة المدير..

دقائق ويمكنكما الدخول على الأستاذ مصطفى. جمال، اسم المدير مصطفى، فماذا يعني؟

هو من أسماء النبي محمد ﷺ، أي أن الله اصطفاه واختاره، والمسلمون يتسمون به بعد ذلك.

أي أنه مسلم! نعم، فهذا الأصل.

مرّت دقيقتان، ثمّ أخبرهما السكرتير بأنّ الأستاذ مصطفى في انتظارهما..

أهلًا وسهلًا بكما. إذن أنا أستأذنكما، وسآتيك يا جورج في الثانية عشرة. لا أعرف كم من الوقت أحتاج مع الأستاذ مصطفى. حسب بريدك الإلكتروني وما جهزناه، أتوقع أن ننتهي في الثانية، أو تأتينا من الغد مرة أخرى. إذن أنتظرك جمال ـ إذا سمحت ـ الساعة الثانية. لكني أقترح أن نتناول وجبة الغداء سويًّا؛ فأنت ضيفنا اليوم. الوالدة طلبت مني أن أحضر جورج لتناول الغداء عندنا اليوم. إذن تتناول وجبة العشاء معي. اتفقنا، أنتظرك جمال الساعة الثانية. والساعة السابعة أمر عليك في الفندق لنخرج للعشاء. اتفقنا أستأذنكما إذن.

خرج جمال، فالتفت مصطفى إلى جورج..

يبدو أنكما صديقان حميمان. نعم، فمع أني لم أتعرف عليه إلا من فترة قريبة لكنه رجل بمعنى الكلمة. بما إنك لم تتعرف عليه إلا قريبًا، فأنا أحذرك من هؤلاء المتدينين الإسلاميين. وما أدراك أنه متدين وإسلامي؟! واضح من شكله. وتحذرني من ماذا؟ أحذرك من أن يقتلك أو يسرقك أو شيء مثل ذلك، فهم يرونك كافرًا يجب كرهك، بل ويجب قتلك. شكرًا لك على هذه النصيحة، وأنت من أي صنف من المسلمين؟

أنا مسلم لكني تنويري، عشت فترة من حياتي في أمريكا، وتعلمت كثيرًا من القضايا الحضارية التي يفتقدها الإسلاميون. مثل ماذا؟ تعلمت الديمقراطية، وتعدد الآراء، والقبول بالناس بمختلف أديانهم.. وغير ذلك مما تعرفه أكثر مني؛ فأنت بريطاني. هذا تواضع منك، لكني أستغرب من كلامك؛ لأنا نحن المسيحيون نرى أيضًا أنكم كفارًا متخلفون! ارتبك مصطفى، ثم قال: لكنا حقيقة متخلفون فنظرتكم لنا صحيحة من هذا الوجه. ربما، المهم لنبدأ في عملنا. جيد.. لنبدأ في عملنا، لكني أؤكد لك أن التعامل مع أناس أكثر انفتاحًا على الثقافات الأخرى أضمن للنجاح بالنسبة لك، وأبعد لك عما لا تريده. بلا شك خاصة إذا كان يحب وطنه ومجتمعه! شكرًا لك، أنا جهزت لك عدد من الموظفين بالمواصفات التي جاءتني على البريد. جيد، كم عددهم، وما تقييمك أنت لهم؟ ثمانية أشخاص كعدد أولي، وغالبهم من ذوي العقليات المنفتحة على ثقافات العالم. جميل، وماذا عن المهنية والتخصص والاحترافية فيهم؟ لا بأس.. قابلهم بنفسك، هل تريد أن نبدأ المقابلات؟ مناسب، آمل أن تعطيني سيرهم الذاتية مرتبة قبل دخولهم علي. تفضل، وسأبلغ السكرتير بحيث يدخلون عليك تباعًا في غرفة الاجتماعات حسب ترتيب الأوراق لديك، تفضل لغرفة الاجتماعات، سأوصلك وأعود إلى غرفتي أنتظر انتهاءك.

قابل جورج الثمانية الذين رشحهم مصطفى، ولم ينته إلا في الساعة الثانية إلا الربع..

أشكرك؛ فقد انتهيت من المقابلات. وكيف وجدتهم؟ جيدين، سأتخذ القرار بعد إنهائي مقابلات الشركة غدًا، ما رأيك أن نكمل كلامنا أثناء العشاء اليوم، خاصة وأنه سيصل جمال بعد دقائق. حسنًا، وقد جهزت لك ما يعجبك ويسرك، وحتى يأتي جمال، هل لفت نظرك شيء في الثمانية الذين قابلتهم أو أعجبت بشيء؟ لفت نظري الكثير، وأعجبت كثيرًا. ستجد كل ما يرضيك اليوم. كيف؟ سنكمل نقاشنا على العشاء.

خرج جورج من الشركة ليجد جمال في انتظاره، فركب معه إلى بيت جمال..

كيف كان لقاؤكم اليوم؟ لا بأس به. كأنك لم تكن مرتاحًا! لم أرتح أبدًا! لماذا؟ أحضر لي مجموعة من الخدم ليعملوا عندي، وأنا أريد محترفين مبرمجين. ربما لم يفهم ما تريد منه؟ بل فهم جيدًا، لكنه ظنني أريد فقط أن أشبع شهوتي، تخيل قابلت ثمانية أشخاص، خمس نساء اثنتين منهن مبرمجات فقط، وثلاثة رجال اثنين منهما متخصصان في الحاسب الآلي. إذن على أي معيار اختار لك الأشخاص؟ في الغالب على الجمال والأناقة والنفاق! فهمت ما تقصد، وأعتذر لك، لكنا المصريين لسنا كذلك! ربما، كم أتمنى ألا أقابله مرة أخرى، وإن كان هناك رجل وامرأة من الذين قابلتهم متميزان جدًّا. بما إنك وعدته؛ فتناول معه وجبة العشاء اليوم، واطلب مقابلة من أعجبت بتميزهم. هذا ما سيحدث بعد أن أنهي غدًا آخر مقابلات عندي.

عادة لا تكن كل الأمور ميسرة، بقي قليل ونصل للبيت، وسندخل الآن إلى داخل الحي، وأعتذر لك؛ فنحن نسكن في حي شعبي، وليس فندق خمس أو أربع نجوم. هذا أحب إلي، وأكرر شكري وامتناني لك ولوالدتك. لا أستطيع الدخول بالسيارة أكثر، فالشوارع كما ترى ضيقة جدًّا، سنكمل مشيًا إلى البيت، هو قريب جدًّا.

وصلا إلى شقة جمال التي كانت في الدور الثالث من عمارة سكنيّة يظهر عليها القدم، رحبّ جمال بجورج في منزله وقاده إلى غرفة صغيرة مرتّبة أعدّت لاستقبال الضيوف..

تفضل، استأذنك دقائق وأعود.

جلس جورج يتأمّل في أثاث الغرفة البسيط، ورغم أنّه يحب البساطة إلا أنّ شعور الرهبة قد سيطر عليه مذ دخلا الحيّ الشعبي حتى وصلا إلى شقة جمال، هل هذا بيته حقًا؟ أم أنّه أحضرني إلى هنا لغرض في نفسه؟ تذكر حديث مصطفى من أنّ هؤلاء الإسلاميين قتلة وسراقون ولديهم غريزة الانتقام.. ضحك على أفكاره الغريبة وتذكر موقفه الشهم عندما اتهمه بسرقة محفظته، وفيما هو في حالة الترقّب تلك، جاءه جمال مرحّبًا ومعه صحن كبير قد رصّت فيه مجموعة من الأواني فيها أطباق طعام مختلفة، ووضع الصحن أمام جورج..

أعتذر إن كنت قد تأخرت عليك، تفضل. وهو ينظر في الطعام، شكرًا لك، تكلفت كثيرًا. لم أتكلف شيئًا، هذا الطعام ليس مني وإنما من الوالدة، فهي مَن دعتك لتناول الغداء عندنا، وستصل بعد قليل للسلام عليك. عجيب أن يكون الداعي ليس موجودًا أثناء وصول الضيف. المرأة في الإسلام مكرمة أكثر مما يخطر ببالكم؛ فهي ملكة تُخدَم، أنا مستعد أن أفعل كل ما تريد أمي مهما كان. مهما كان؟! نعم قدر استطاعتي، فالله قرن طاعته بطاعة الوالدين وخاصة الأم.

جاءت أم باسم ووقفت على الباب، طرقت طرقات خفيفة، ثمّ تحدثت بلهجتها المصريّة الدارجة..

السلام عليكم يا ابني شرفتنا ونورتنا وأكرمتنا بحضورك، وباسم يسلم عليك ويوصي عليك. أمي تسلم عليك يا جورج وترحب بك، وتقول لك: يا ابني شرفت ونورت وأكرمتنا بحضورك، وأن باسم يسلم عليك ويوصي عليك. شكرًا لها، لا أعرف ماذا أقول، لماذا لا تجلس وتتفضل معنا.. تفضلي معنا. الوالدة جاءت لترحب بك وتخبرك بأننا جميعًا تحت خدمتك فأنت ضيف عندنا.

أحرجتموني بكرمكم، عذرًا.. لكن لماذا لم تجلس معنا؟ لماذا لم تصافحنا؟ النساء لدينا لا يجلسون مع الرجال بدون حاجة، ولا يصافحن الرجال إلا إذا كانوا من محارمهن. اليوم كما أخبرتك قابلت خمسًا من النساء أربعًا منهن صافحنني، وتعجبت عندما رفضت واحدة منهن ذلك، وكلهن جلسن معي. وماذا قالت لك التي رفضت؟ اعتذرت بأنها لا تحب مصافحة الرجال. وما رأيك أنت فيها؟ احترمت رغبتها، خاصة بأن اثنتين أخريين منهن كانت مصافحتهما بل ونظراتهما وحركاتها تفتقد للأدب بطريقة فجة. هل يمكن أن أسافر لبريطانيا لأصافح الملكة؟ وما علاقة ذلك! قطعًا هناك سبعة أصناف من الناس يسمح لهم القانون أن يصافحوا الملكة. ألم أقل لك أننا في ديننا المرأة ملكة مكرمة، لا يسمح الإسلام أن يصافحها إلا عشرة أصناف محدَّدُون تَمامًا، الأب والجد والزوج ووالد الزوج والابن والأخ والعم والخال وابن الأخ وابن الأخت وابن الابن، فكما أنكم تفعلون ذلك احترامًا وإجلالا للملكة، فنحن نفعله احترامًا لملكتنا وبعدًا لها عن مواطن الفساد. ههههه، ملكة مكرمة! ولماذا إذن صافحتني النساء في المقابلة؟ للأسف كثير من المسلمين يفرطون في أمور دينهم، ولكن الدين منهم براء. لم يصافح آدم كاترينا ولا مرة! الآن فهمت! هل يضايقك أن نتحدث عن المرأة في الإسلام؟ هل تتوقع أن أتضايق وأنت تتحدث عن الملكة!

دعني أسألك سؤالًا مباشرًا، لماذا تعطونها من الميراث نصف ما يُعطى للرجل، ثم تدَّعون أنها ملكة، ساووها بالرجل فقط ولا تجعلوها ملكة. هل جميع الموظفين الذين ستوظفهم ستعطيهم نفس الراتب؟ يبدو أنك تريد أن تخرج من الموضوع! أبدًا أنا أتحدث في صلب الموضوع. طبعًا لا، هل تتوقع أن أعطي المدير كما أعطي الساعي؟! هل تظلم الساعي عندما تعطيه أقل من المدير؟ لا، أنا أعاملهم بالعدل. والإسلام جاء بالعدل بين الرجال والنساء وبين البشر كلهم لا بالمساواة، ولذا تجد أن المرأة لها في الميراث نصف الرجل، وربما يبدو أنه على العكس.. على الرجل النفقة عليها وليس عليها شيء، وكل ذلك هو تمام العدل. لماذا.. ألا تدفع زوجتك نصف مصاريف البيت؟ النفقة على البيت من مهام الرجل وواجباته، وتبقى الملكة يجب أن تُخدم. عذرًا.. هذا يقتضي ألا تتعلم المرأة ولا تعمل؟ من قال ذلك؟! يجب عليها أن تتعلم مثلها مثل الرجل، ومن حقها أن تعمل.. وماذا بشأن الراتب الذي تستلمه؟ من حقها وهو لها، وليس عليها النفقة. هههه، إذن اقتصاديًّا النساء هن الرابحات أكثر من الرجال. لا ليس أكثر من الرجال بل بالعدل، فكما أن خلقتها تختلف عن الرجل، فأحكامها تختلف بالحد الذي تختلف فيه طبيعتها ووظيفتها.

توصيف جميل للعدل، لكن على مستوى آخر؛ ألا ترى أن الحجاب ظلم اجتماعي لها؟! بل إكرام وإجلال. كيف وهي ملفوفة بهذه الملابس التي تحجب جمالها وأنوثتها؟! كيف كن الملكات والأميرات عندكم قبل 50 سنة فقط؟! ماذا تريد؟! أجبني على سؤالي. كن بكامل حقوقهن. وكيف كان لبسهن؟ تعني أنهن كن يلبسن مثل هذه الملابس اللاتي يلبسنها المسلمات الآن؟ نعم، وبلا شك في ذلك، ثم أليس هذا لبس القديسات أيضًا؟ لكنا تطورنا وتطور مع ذلك لباس المرأة عندنا. أولًا:لم يتطور لباس القديسات عندكم وإن كان ـ وآسف لما أقول ـ ارتكس وضعهن في الكنيسة، ولم يتطور لباس المرأة عندكم بل ـ وأكرر أسفي ـ ارتكس وانحدر وانحط، واقرأ نسب التحرش الجنسي والزنا والإجهاض وغير ذلك من الطوام. وعندكم مثله! نحن بشر وعندنا أخطاؤنا، لكن ما لدينا لا يشكل ولا نسبة صغيرة مما لديكم، وغالبه ـ للأسف ـ تقليدًا لكم. كيف؟

هل تسمح لي أن أستخدم الأرقام والدراسات؛ فأنا أعشقها وأحبها؟ الأرقام لغة محددة جدًّا ومقنعة بالنسبة لي، تفضل. تشير الدراسات إلى أن 90% من غير المتزوجات يمارسن الزنا بطلاقة أو من حين لآخر في أوروبا وأمريكا، بل في أمريكا بلغت نسبة التلميذات الحوامل سفاحًا 48% من تلميذات إحدى المدارس الثانوية، وتفيد الاستبيانات والدراسات الأمريكية الرسمية بأن نسبة 87.8% من مجموع طلاب المدارس الثانوية مارسوا اتصالا جنسيًّا في حياتهم، نسبة 22% منهم قبل سن الثالثة عشرة، بل 60% من المواليد الجدد في السويد أبناء زنا لا يرتبط آباؤهم وأمهاتهم بعلاقة زواج!! يكفي.. فأنا أعرف هذا وأضعافه من مصائب مجتمعاتنا الغربية، لكن هذا في العالم كله! ألستم مثلنا؟! كما ذكرت لك للأسف كثير منا يسيرون في نفس الطريق، وكلما ابتعد الإنسان عن الدين اقترب من مثل هذا الوضع، إلا أن الفارق في الأرقام كبير بل كبير جدًّا. هل تريد أن تقول أن رجال الدين عندكم لا يتزوجون ويترهبنون كالقساوسة والباباوات؟

قلت لك مرارًا ليس لدينا رجال دين في الإسلام، بل حتى النبي ﷺ تزوج.

نعم قرأت واستغربت أن نبيكم تزوج! عذرًا، أين زوجتك إذن؟! ألست متزوجا؟! في المدرسة؛ فهي مُدرسة فيزياء في المرحلة الثانوية، ودوامها في المدرسة مساء من الساعة الثانية عشرة وحتى السادسة، ولعلها تصل بعد قليل. بصدق، هل أجبرتها على الحجاب؟! قطعًا لا. ولماذا تلزمون نساء الناس بالحجاب ولا تلزمون نسائكم بالحجاب؟ ما أسوأ استخدام الدين للقضايا الشخصية!

لم أجبرها؛ لأنها محجبة من تلقاء نفسها، وأتفق معك في سوء استخدام الدين في قضايا شخصية، بل نهى النبي ﷺ عن ذلك.

تعني أنها محجبة بدون إلزام منك؟ طبعًا. وما الذي يدعوها للحجاب؟! دينها وأمر ربها، ثم صيانة لنفسها. تصون نفسها من ماذا؟ حتى لا تكون فريسة للإحصاءات السابقة! ههههه، إلا إذا كنت تريد أرقام وإحصائيات جديدة فلدي الكثير منها. لا.. يكفي، فلدي من هذه الإحصائيات الكثير جدًّا، عذرًا لكن نسمع كثيرًا عندنا في بريطانيا عن راقصات ومغنيات مصريات؟! نعم.. قلت لك كلما ابتعدنا عن الدين ـ للأسف ـ قلدناكم. ولماذا الأسف؟ عذرًا.. لا أقصد الإساءة لكم، لكن أظن أن وضع المرأة عندكم من التردي إلى درجة أن كثيرًا من العقلاء عندكم ينادون بأهمية مراجعة الكارثة التي يسير إليها المجتمع. ما أكثر الكوارث! أي كارثة تعني؟! لماذا يتزوج الرجل ما دام يحصل على ما يريد بدون زواج؟ مما يلغي ويفسد نظام الأسرة ويلغيه، مما يدمر أقوى مجتمع في الدنيا وينهيه. وضح أكثر. بصراحة تامة أليست تربية كلب أفضل وأقل كلفة من تربية ابن عند كثير من الناس، أليست العشيقة أقل تكلفة وأكثر تنوعًا من الزوجة؟ عند من فسدت فطرهم فقط. صدقت، وهذا ما وصلت إليه بعض المجتمعات، هل تعرف أن نسبة الخصوبة في بعض المجتمعات وصلت إلى أقل من طفل لكل امرأة، هذه المجتمعات تنتهي وتضمحل عاجلًا أو آجلًا. هههه، ولهذا سيطرتم بالأعداد حتى على أوربا.

يقول النبي ﷺ: “تزوجوا الودود الولود”.

حتى في هذه التفاصيل يتدخل الإسلام! الإسلام دين شامل لكل جزئيات الحياة؛ ولهذا تتوازن النفس معه وتسعد وترتاح، ولا يطغى جانب على آخر فيتعب. ما أكثر تفاصيل الإسلام! لكن أليس هذا عيب وليس ميزة في الإسلام؟! كيف؟! هذه التفاصيل تتعب الإنسان في تتبعها، فهي قيود إضافية على الحياة! أيهما أفضل: بلد فيه قانون مثل بريطانيا أم بلد يعج بالفوضى؟ فهمت ما تعني، لكن القانون الجيد هو الذي يعطي مساحة كبيرة للإبداع والاجتهاد. كأنك تصف الإسلام! لقد فتح لنا آفاقا واسعة جدًّا للإبداع والخيال والتفكر، ولذا كثيرًا ما يأتي القرآن بطلب التفكر والنظر في الآفاق وفي التاريخ والسير وغير ذلك. ألا تخافون من أن الناس إذا تفكروا عرفوا نقص وضعف دينكم؟ هذا عند الأديان الأرضية والمحرفة فقط، أما المسلمون فكلما زادوا تفكرًا زادوا إيمانًا ويقينًا وتدينًا، وللأسف كلما قل التفكر قل الدين. تعجبني ثقتكم بدينكم. هل من المكن أن أسألك سؤالًا؟ تفضل! ما الذي يمنعك من أن تسلم؟! أنا أشعر بأنك مقتنع بالإسلام!

ارتبك جورج لسؤال جمال، وقبض أصابعه بقوة.. تذكر ما كتبه آدم عن بكاء كاترينا، وعن حاجته للشجاعة ليتخذ القرار، وتذكر ما كتبه جانولكا في رسالته الأخيرة، تنهد بعمق.. وتذكر أن هذا هو سؤاله الذي أرسله لأصدقائه، فلماذا هو خائف من إجابته، هل هو الضعف أم التردد أم الجهل أم التؤدة وعدم العجلة؟! أيا كان السبب فلابد أن يجيب نفسه قبل أن يجيب جمال..التفت إلى جمال:

هل تسمح لي بألا أجيب الآن؟ الأمر إليك، ولم أقل لك ذلك إلا محبة للخير لك. شكرًا لك.. سأجيبك خلال يومين أو ثلاثة. ليس مهمًا أن تجيبني، الأهم أن تجيب روحك وتساؤلاتها، للأسف حولتنا الحياة المادية إلى آلات إن فكرت تعبت، ولذا تعيش البشرية في شقاء.

تنهد جورج عندما سمع جملة «عندما تجيب روحك»، وتذكر كلمة العجوز الذي قابله، ثم قال:

كأنك تصفني. عذرًا لم أقصد الإساءة، لكن هذا حال البشرية لما تُعرض عن الله، قال تعالى في وصفهم {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124]، وقال تعالى {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام:125]. ما أقسى ما تقوله! أعتذر.. لم أقصد القسوة وإنما أنا أصف، بل ما أقسى الإعراض عن الله، عذرًا ليس حاليًا بل طوال حياتك! ماذا تعني؟ يهرب الناس من حياتهم بأساليب مختلفة؛ فمن الناس من يهرب باللهو والخمر، ومن الناس من يهرب بالموضات الدينية التي تشبع شيئًا من جوعهم الروحي، ومن الناس من يهرب بالفلسفة الجوفاء، ومنهم من يهرب إلى مجهول؛ ليتحاشى التفكير في الموضوع، أقول لك بكل محبة مرة أخرى: ما الذي يمنعك من سعادة الدنيا والآخرة؟ قلت لك سأجيبك خلال يومين أو ثلاثة.

فيما كانا يتحاوران سمعا صوت باب يفتح، فاستأذن جمال من جورج قليلًا..

لحظة من فضلك، وصلت زوجتي عائشة. هل تمانع أن أتحدث معها قليلًا؟ دعني أستشيرها وآخذ رأيها. في ماذا؟ أعرف أنها لا تحب أن تتحدث مع الرجال، ولا أحب أن ألزمها بشيء لا تحبه، لحظة من فضلك.

خرج جمال من الغرفة، تاركًا جورج في حالة من الذهول، ما حدث اليوم هزّه بعنف، صار يشعر بنفسه ضائعًا لا يدري ماذا يفعل.. تساءل في نفسه طوال اليوم، ما الذي جاء بي إلى مصر؟ حتى تساؤلاتي رجعت تؤرقني: ماذا أريد؟ لماذا أعيش؟ لماذا هذا العناء.. آآآه.. فيما كان سارحًا في غمار تساؤلاته، دخل عليه جمال ومعه زوجته، فرفع نظره إليها فرآها محجّبة لا يظهر منها إلا جزءًا يسيرًا من وجهها..

هذه زوجتي، ماذا تريد؟ أخبرني جمال أنك تود أن تُسلم، وأن لديك تساؤلات عن وضع المرأة في الإسلام. لم أقل أني أريد أن أسلم أبدًا، وإن كنت أود أن أتعرف على وضع المرأة في الإسلام. إذا لم تكن تريد أن تُسلم؛ فلماذا تريد أن تعرف وضع المرأة في الإسلام؟!! مجرد معرفة. المعرفة التي لا تفيد الإنسان لا قيمة لها، والعلم الذي لا يرفع من شأن صاحبه ضائع، فالعلم يقود إلى خشية الله؛ ولذا يقول الله تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28]. أقصد أريد أن أتعرف فقط، وهل المعرفة والعلم المجرد عندكم عيب وخطأ؟! عندنا أن أي علم لا يدعو للعمل ليس له قيمة، وأعتقد أن العبثية وذهاب الأهداف والمقاصد مرض في العقل والدين، تعرفونه جيدًا. ماذا تقصدين بعندنا؟! أعني عندنا نحن المسلمون، دعني أدخل فيما تريد فأنا متأكدة من أنك لم تسأل إلا وأنت تريد أن تسلم. وكيف تأكدت؟! آمل ألا أضايقك، يقول الله تعالى {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحِجر:2]، فلا يوجد شخص ذكي لم يوحد الله ويسلم له إلا وفي نفسه غصة من تعارضات الأهواء والأديان المحرفة. وماذا تعنين بذكي؟! يستطيع ضعيف التفكير أن يقفز فوق تناقضات حياته وتناقضات دينه وتساؤلات روحه إلى قضايا هامشية يشغل بها نفسه، ولكن... ولكن ماذا؟! لكن جمال أخبرني أنك ذكي، كما أخبره بذلك أخوه باسم وكما لاحظ هو. شكرًا.. ندخل في موضوعنا «المرأة في الإسلام» فمن أين تريد أن نبدأ؟ ابدأي من حيث تريدين، وأنا سأسأل كلما أريد.

جاء الإسلام والعرب يقومون بوأد البنات ويقتلونهن أحياء، ويدفنونهن. غاية التخلف والوحشية! صدقت، ولكن لم يكن هذا الوضع الذي يبعث على الاشمئزاز خاصًّا بالعرب، فقد كانت مجالس الفلاسفة تعقد ليناقشوا أمرًا مهمًّا! هل للمرأة روح كروح الرجل؟ هل لها روح إنسانية أم حيوانية؟! وينتهون في نقاشهم إلى أن للمرأة روحا ولكنها أدنى بدرجات كثيرة من روح الرجل، وعند الرومان كان للرجل السلطة في أن يبيع زوجته أو أن يطلقها، أن يعترف بولده أو لا يعترف به، والمرأة في اليونان لا ترث أبدًا. للأسف صدقت، تاريخ قذر! وقد جاءت كل الأديان السماوية بالعدل للمرأة، لكن للأسف حرفت اليهودية ذلك؛ فأصبح كتابها المحرف مليء بالخيالات الجنسية والظلم المرير للمرأة. حدثتني ليفي عن هذا كثيرًا، وقرأت عنه كثيرًا. ومن هي ليفي؟! امرأة يهودية محترمة جدًّا. كم أحب لها أن تسعد وتشرف وتكرم بالإسلام. لا أظن، على العموم أكملي. مفاتيح القلوب بيد الله، نكمل: وحرفت المسيحية أيضًا ذلك، وللأسف أصبحت المسيحية مليئة بالإهانات للمرأة. تسلسل جيد. جاء الإسلام بعد ذلك؛ فأكرم المرأة كما لم يكرمها دين، ولم يتحرف شيء من الدين؛ فالله هو الذي تكفل بحفظه. مقتنع جدًّا بعدم تحريف الإسلام، ولدي أسئلة، لكني أود أن تكملي أولًا. لم تشعر المرأة في العالم بالكرامة كما شعرت لما جاء الإسلام، وتعلمت أوربا من احتكاكها بالمسلمين شيئًا من تكريم الإسلام للمرأة، وتعلموا العدالة وتعلموا العلم، لكنها اصطدمت بالتحريفات في كتبهم المقدسة وبتعاليم الكنيسة، فثاروا على الكنيسة ـ وللأسف لم يسلموا، فبحثوا عن نظام لتكريم المرأة فساقهم عقلهم البشري للمساواة. إذن ارتقى العقل البشري إلى درجة أعلى من الأديان؟ وبالطبع لم يستطيعوا أن يغيروا خلقها وطبعها ودورها ليتواءم مع مساواتهم الموهومة، فقرروا أن يكلفوها أن تعمل أعمال الرجل مع أعمالها! والعجيب أنها تعمل أعمال الرجل مع أعمالها وبنصف أو ربع الأجرة والراتب! وليته كفى الرجال بخس أجرتها وتكليفها بما لا تطيق، لكنهم أيضًا استغلوها وأخذوا ما يريدون منها بدون زواج، فتحولت من زوجة محترمة مصونة إلى عشيقة مبتذلة، فهبت مؤسسات المساواة وحقوق الإنسان وحاولت أن تغير هذا الوضع المزري؛ فطالبت بمساواتها في الأجرة والراتب فاستطاعوا ظاهرًا ولم يستطيعوا حقيقة، ووضعوا شروطا حتى لا يأخذ الزوج منها حقوقها؛ فاكتشفوا أن الذي أخذ حقوقها أصبح عشيقًا بلا أي التزام قانوني بدلًا من الزوج. ما تقولينه لا ينطبق على كل الغرب وحالاته. نعم هو ينطبق على جزء كبير منه فقط، ولازال هناك من تمنعهم أخلاقهم عن مثل هذا، لكن الكارثة أنه كان يدفع بالمرأة دفعًا باسم المساواة وباسم المتعة وباسم التحرر من سيطرة الرجل لتكون أكثر تفسخًا وأكثر انحلالًا حتى وصلت لمستوى تستحي منه الحيوانات ولا ترضاه لنفسها. ماذا تقصدين؟! أعتذر إن كان كلامي قاسيًا أو فُهم منه الإهانة لكم، لكن ما أعنيه أن المرأة أصبحت للأسف كثيرًا ما تبدو مجرد لعبة للغواية والإضلال والإفساد، باسم المساواة وأخذ حقوقها، وإلا كيف تفسر قنوات الجنس وأفلام الجنس وتجارة الجنس؟ يمكن تفسيرها بأنها نوع من الإعجاب بهذا المخلوق الجميل! إذن أنت اعترفت بأنه مخلوق جميل يختلف عن الرجل، والمساواة بينهما ظلم لها وله، أما أنا فأفسره بأن الرجل في هذه المجتمعات بعد أن نهب حقوقها المادية، وبعد أن أراح نفسه بأن تعمل عملها وعمله سلب منها حتى حقوق الآدمية وحولها إلى مجرد سلعة يلهو ويلعب بها، وإلا كيف تفسر أن تعرض عارية أو شبه عارية في واجهات المحلات في كثير من الدول، مثلما يعرض أي جهاز أو أثاث أو سيارة! هذه الممارسات سيئة جدًّا لكنها لا تمثل مجتمعاتنا قطعًا. هي على الأقل ممارسات منظمة وقانونية، بينما الحجاب لمن يعتقد به ممنوع بشكل قانوني ومنظم أيضًا، فالنظام يسمح أن تصبح المرأة سلعة للعرض تباع وتشترى ولا يسمح بأن ترتدي المسلمة حجابها. أنا لا أوافق أيضًا على الممارسات القمعية لبعض الدول الأوربية. إذن أنت إرهابي حسب معاييركم، أعتذر لكما أطلت ولولا طلب زوجي بأن أحضر لعلي أكون سببًا في إسلامك لما حضرت. لكن لدي تساؤلات سريعة سألتها غيرك لكن يهمني أن يكون الجواب من امرأة. تفضل. أنت متخصصة في الفيزياء، أي في علم مهم من العلوم العصرية التي جاءتكم من عندنا ورفعت مستواكم، ومع ذلك ترتدين الحجاب، فهل أنت مجبرة عليه؟! أم أنه مثل حجاب القديسات عندنا الذي لا يعني العفة ولكنه اللباس التقليدي لهن؟! أم أنكم تعيشون في مجتمع شهواني لا بد أن تلبسي مثل هذا اللبس وإلا لتعرضت للابتزاز والتحرش؟! أم ماذا؟! ههه، أولًا: العلوم تراث بشري؛ فقبل أن تأتينا العلوم المعاصرة منكم جاءتكم من عندنا عندما كنتم في ظلام دامس، أما الابتزاز والتحرش فأنت تعرف أنه على علاقة طردية مع السفور والتعري، وإن كنت تريد الإحصاءات التي تؤيد ذلك تحدثنا عنها، أما بالنسبة لي فأنا أتحجب تدينًا وعلمًا مني بأن ذلك أسعد لي في الدنيا والآخرة، فالدنيا راحة وطمأنينة، والآخرة فضل وكرم من الكريم سبحانه. دائمًا ترددون السعادة في الدنيا والآخرة. نعم.. سعادة لا يعرفها إلا من جربها.

ربما، لكن ـ بصراحة ـ هل ترضين أن يتزوج عليك جمال زوجة أخرى، كما فعل نبيكم؟!

نظرت عائشة إلى جمال الواقف بجوارها بصمت.. ثمّ تابعت:

لا أظن جمال يفعلها، وأتمنى ألا يتزوج علي. لكن نبيكم عدَّد الزوجات؟

نعم عدَّد ﷺ الزوجات، وأحد زوجاته أمهات المؤمنين اسمها مثل اسمي عائشة.

ولماذا إذن لا تريدين أن يقتدي جمال بنبيه ويتزوج عليك؟! لم يطالبني الإسلام بألا أكون امرأة، فمن حقي أن أغار، ولم يطالبني الإسلام أن أكون ذليلة لا أستطيع أن أعبر عن رغباتي وما أحب، لكني أوقن أن تعدد الزوجات خير من تعدد العشيقات. وعدم التعدد بشكل عام هو الأفضل حتمًا..

أعتقد أنه جزء من الطبيعة البشرية حاجة بعض الرجال لتعدد الزوجات، ولذا فتعدد الزوجات ليس خاصًّا بالإسلام، بل تقريبًا في كل الأديان، إلا أن الفارق الرئيس أنه في الأديان السابقة بلا عدد، تزوج النبي سليمان عندكم ألف امرأة، وتزوج آدم ثلاث عشرة زوجة، وتزوج النبي داوود تسع وستون زوجة، وفي الإسلام التعدد محدد بأربع فقط. لكنا لا نقول الآن بتعدد الزوجات، والأنظمة في غالبها تمنعه. الكتاب المقدس لديكم مليء بتعدد الزوجات، وقد تعب بعد ذلك رجال الدين عندكم في تفسير ذلك، فقال بعضهم: هذه أخطاء بشرية وتكلموا على الأنبياء، وقال آخرون: بل كان لمرحلة من التاريخ كانت الحروب فيها قاسية فكانت النساء أكثر من الرجال، فخالفوا الواقع الآن ونسوا أن الحروب أقسى الآن، وقال آخرون: بل رجع الله عن ذلك ـ معاذ الله ـ فجعلوا الله قاصرًا لا يعرف الحق تعالى عما يقولون. المهم أنا طورنا ديننا وأنظمتنا وقوانيننا؛ لتمنع التعدد. جميل “طورنا ديننا” الأصل أن الدين الحق صالح لكل زمان ومكان ولا يحتاج إلى تطوير، إلا الناقص؛ ولذا يقول تعالى عن الإسلام {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3]، فنحن لا نطور ديننا؛ لأنه كامل تام. المهم أنا طورنا أنظمتنا وقوانيننا لنمنع التعدد الظالم. نعم في غالب دول أوربا وأمريكا منعتم التعدد منعًا واضحًا بينًا، وسمحتم بالعشيقات سماحًا واضحًا صريحًا. المهم أننا نمنع تعدد الزوجات. وحتى تسير الحياة والطبيعة البشرية والاجتماعية لحاجة بعض الرجال لأكثر من زوجة سمحتم بتعدد العشيقات، بل الأخطر أنه يسمح في بعض الدول بتعدد الأزواج بدلًا من تعدد الزوجات، ويسمح بمجموعات الزواج، ولا يسمح بتعدد الزوجات، ولا شك أنه أكرم للمرأة أن يعدد زوجها الزوجات من أن يعدد العشيقات أو ـ وآسفة على اللفظة ـ مجموعات الزواج المقرفة المقززة. جيد، لكن العلم الحديث الذي تعلمتيه وتعلمينه ربما يخالف دينكم كثيرًا! العلم يخالف ديننا! أنت لا تعرف ديننا أو لا تعرف شيئًا عن العلم! على كل حال جمال أعرف مني بعلاقة العلم بالدين، وهو طلب مني مناقشة موضوع المرأة ولم أكن أحب ذلك لولا طلب جمال وقوله أن هذا خدمة للدين، فإن أذنتما لي أكون لكما شاكرة لأني أريد أن أتابع دراسة ابني.

خرجت عائشة.. فالتفت جورج إلى جمال بابتسامة حائرة..

أهنئك على امرأتك، إلا أنها تصلح رجلًا لا امرأة. هههه. ما بك؟ ما الذي يضحكك؟!

إذن أنت تعرف أن الرجل ليس كالمرأة فلماذا تدعو للمساواة؟! وصدقني لا يوجد أرق منها ولا أكثر تبعلًا لرجل منها؛ فهي متدينة والنبي ﷺ أوصاها أن تطيعني.

عدنا للتمييز، ولماذا لم يوصكَ نبيكم بأن تحسن إليها؟

بل أوصى فقال ﷺ: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)، بل ذكر أنه خير الناس لأهله، أنا سعيد جدًّا بنقاشاتك، لكن أتسمح لي أن أذهب لأصلي العصر.

الساعة الآن الرابعة والنصف، فإن كان مناسبًا نخرج سويًّا تصلي وأتجول أنا في القاهرة لمدة ساعة، ثم تذهب بي لمصطفى فقد واعدني على العشاء ولا أعرف لماذا؟


تناقضات (4)

ظلّ جورج في السيارة ينتظر أن يفرغ جمال من الصلاة، وبعد انتهاء الصلاة راح يتأمل في وجوه الناس الخارجة من المسجد، فرأى شخصًا ذا ملامح أوروبيّة فأشار له، ومضى إليه مرحّبًا.. فأجابه بإنجليزيّة ركيكة:

أهلًا أنا وليم، من أي البلاد أنت؟ أنا جورج من بريطانيا. وأنا بيتر من ألمانيا. لكنك كنت تصلي مع المسلمين! نعم أنا مسلم من ألمانيا. من ألمانيا أم مصري تسكن في ألمانيا؟ نصف المسلمون في أوربا من السكان الأصليين وأنا واحد منهم، وعدد المسلمين في ألمانيا أكثر من أربعة ملايين يشكلون قرابة 5%. أعرف ذلك.. والمسلمون لدينا في بريطانيا أكثر من مليونين يشكلون قرابة 3%، لكن سؤالي هل كنت مسيحيًّا؟ أبي وأمي كانا مسيحيين، أما أنا فقد كنت ملحدًا، ولله الحمد أسلمت فسعدت، وأنا هنا فقط لدراسة الإسلام. ما الذي دعاك للإسلام؟! سؤال كثيرًا ما أسأله، يمكن أن ألخص دوافعي للإسلام بالبحث عن ثلاث كلمات، هي: الحقيقة، السعادة، العدالة. وهل وجدتها في الإسلام؟! وكيف؟ نعم وجدتها، وإن أردت التفصيل فيسعدني أن تزورني فيما بعد، فأنا أعتذر لك فلدي موعد مع أحد الأصدقاء، وهذه بطاقتي فيها جميع معلوماتي. شكرًا لك، وأعتذر عن إشغالك.

عاد جورج للسيارة فوجد جمال بانتظاره..

متى عدت؟ رأيتك تتحدث مع الرجل، فلم أحب أن أقاطعك، المهم نحن الآن في الخامسة والنصف فكم بقي لنا قبل موعدك مع مصطفى؟ ساعة تقريبًا، والحقيقة أني متعب وأتمنى أن أذهب إلى الفندق وأرتاح، لكن مصطفى كان حريصًا لسبب لا أعرفه؛ فأعطيته الموعد ولا أرغب أن أخلفه.

رائع، حث القرآن والنبي ﷺ على الوفاء بالوعد، وربما يكون في ذلك خير، أقترح خلال الساعة الباقية أن أريحك بجولة على قارب في النيل، فالموعد قريب من النيل.

فكرة رائعة.

مضيا إلى النيل، واستأجرا قاربًا لمدة ساعة، وأخذا جولة هادئة أحسّ جورج فيها بالارتياح والاسترخاء، وأحس فيها أن كمية المعلومات المفاجئة بالنسبة له يعاد ترتيبها، ثمّ مضيا إلى حيث واعد مصطفى جورج..

أشكرك كانت رحلة رائعة وفي وقتها. وإن شاء الله تكون قد ارتحت قليلًا. نعم إلا أن عناء وضغط التساؤلات لا يزال يؤرقني كلما استرخيت. أي تساؤلات؟ هل يمكن أن أسألك سؤالًا؟ تفضل.

ألا تسأل نفسك لماذا خُلقت؟ بلى.. كثيرًا.. وكيف تجيب على نفسك؟ أو كيف تهرب من هذا السؤال؟ لماذا أهرب وعندي الإجابة واضحة! وما هي؟ يقول تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. هل تقصد أني مخلوق؛ لأصلي وأصوم لله فقط! لا.. أنت مخلوق للعبادة بكل مفهومها الشامل، وما الصلاة والصوم إلا أجزاء مهمة من العبادة. كيف؟

العبادة تشمل كل شيء في حياتنا؛ فليست في يوم مخصص أو في مكان مخصص أو في عمر مخصص، بل علمنا النبي ﷺ أن أحدنا يأتي زوجته ويستمتع بها ويكون له أجر.

كيف؟

وضح ذلك نبينا ﷺ: (أليس لو كان في حرام كان عليه وزرًا، فكذلك إذا كان في حلال كان له أجرًا مع إخلاص النية لله)، وبذلك تصبح الحياة كلها لله: الصلاة والنسك، بل الحياة والموت؛ كما قال تعالى {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162].

ولماذا تعيش؟ يمكن أن أقول لك نفس الإجابة السابقة وأكون صادقًا، يمكن أن أقول لك: لعمارة الأرض والحياة وتنميتها وأكون صادقًا، والحقيقة أن عمارة الأرض والحياة وتنميتها من أهم العبادات، قال تعالى {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61]. للأسف وصلنا.. لكن نكمل غدًا نقاشنا، أنتظرك الساعة العاشرة صباحًا؛ فأنا أود أن أرتاح قليلًا وموعدي الساعة الحادية عشرة مع الشركة الأخيرة. اتفقنا.

دخل جورج على مصطفى، فرحب به..

كل شيء جاهز، والعشاء سيكون في أحد المطاعم المناسبة القريبة في أحد الفنادق، والجميع ينتظرنا هناك. جميل.. يبدو أنك مرهق.. لقد جهزنا لك كل ما ينشطك ويعيد لك حيويتك، للأسف نحن المصريين ننسى عندما يزورنا أحبابنا من أوربا أن حياة المصريين لا تصلح للأوربيين. كيف؟ أنا درست الجامعة في أمريكا وأعرف حياتكم جيدًا، وسترى ما يسرك اليوم.

عند أحد الفنادق أوقف مصطفى السيارة، ومضيا مشيًا إلى مدخل جانبي مُضاء بأنوار ملونة ولافتة، كانت الموسيقى الصاخبة تعمّ المكان، وضع مصطفى يده على كتف جورج واقترب منه ليستطيع أن يسمعه..

لنا منصة خاصة بنا تتسع لنا.

بلغا المنصة، فلقي أربعة نساء ممّن قابلهن الصباح بانتظاره..

أظن أنك تعرفت عليهن صباحًا وقد أحضرتهن لتتعرف عليهن عن قرب أكثر.. هذه سميرة وهذه منال وعائشة وديانا.

مدت سميرة يدها مبتسمة، فمدّ جورج يده وابتسم وصافحها، ثم صافح البقية وجلس.

أذكرك بنفسي أنا منال علي عمري أربع وعشرون سنة، وقد جئت لخدمتك. جيد.. هل تعرفن جميعًا أنفسكن كما فعلت منال. أنا سميرة نظمي عمري ثلاث وعشرون سنة، وقد جئت لأسعدك. أنا عائشة خالد عمري خمس وعشرون سنة، وقد جئت من أجلك. وأنا ديانا سامح عمري خمس وعشرون سنة. أهلًا.. وأنا جورج وعمري يقترب من الأربعين سنة.

قام مصطفى من على كرسيه..

استأذنكم سأعود بعد قليل.. استمتع بوقتك يا جورج. اللقاء بالنسبة لي مفاجأة، ولم أكن أعرف أننا سنلتقي هنا. أخبرنا مصطفى أنه سيقدمنا لك هدية. لم أفهم؟ أنت وحدك هنا، ونحن جئنا لك. آها.. فهمت، وإلى أي حد مستعدون لخدمتي وإسعادي؟ ههههه، إلى أقصى الحدود. اطلب ما تريد وسترى حدود الخدمة.

صمت جورج متأملًا في وجوه الفتيات الأربع، كنّ جميلات حقًّا، وابتساماتهن فاتنة إلى حدٍّ مغرٍ.. لكنه كان يشعر بالاشمئزاز منهن ومن تفاهتهن، فقرر أن يقطع سكوته، ويتحدث إليهن..

سأطلب منكن بعض الطلبات، وسأبدأ بعائشة. أنا رهن إشارتك. لدي سؤال: أليس اسمك على اسم زوجة نبيكم؟ نعم، ولماذا تسأل؟ إذن لا شك أنك تقتدين بها في كل ما تعملين؟! لماذا هذا السؤال؟ أطلب ما تريد وسألبى لك طلبك. طلبي أن تجيبي.. التفت إليّ.. أنا سميرة مسيحيّة، ماذا تريد من هذه الأسئلة التي تحرج صاحبتي؟ تدافعين عنها؟! نعم صاحبتي، ومن حقي أن أرفع أسئلتك المحرجة عنها. تدافعين عنها الآن لترفعي عنها الإحراج، وأنت ترين أنها كافرة في جهنم لأن المسيح لم يخلصها من ذنوبها! أنا مسيحية لكني في الحقيقة علمانية، لا أهتم إلا بالعلم ونتائجه. ولأنك تحبين العلم كما تقولين؛ لم تكملي دراستك الثانوية فضلًا عن الجامعية، ومؤهلك الرئيس هو جمالك! هل تريد أن تجرب هذا الجمال؟ أو تذوقه أو تستمتع به؟! ربما، ولكن لي طلب، أليس ما تفعلينه يتناقض مع المسيحية؟ قلت لك أني علمانية. تقصدين ملحدة؟ لا بأس، لا أفهم الفرق بينهما. لكن أليس تذوق جمالك يخالف الأنظمة والأخلاق؟ نحن أعرف بالنظام هنا منك، والأخلاق نسبية. كيف؟ ما يشكل مخالفة للأخلاق لدى شخص، قد يشكل قمة الأخلاق لدى شخص آخر. ولا يوجد مبادئ أبدًا؟ مبدأي الوحيد هو مصلحتي فقط. هذه مبادئ أغلب الملاحدة المصلحة والبرجماتية فقط! والآن هل تريد أن تعرف سعادة تذوق الجمال؟ سؤالي الآن لمنال. لا أحتاج إلى أسئلتك، ما نقوم به عار دفعتنا إليه الحاجة ومصطفى القذر، قومي يا عائشة لننصرف. ولماذا تقومن بالعار إذن؟

خرجت عائشة ومنال، وساد صمت على المنصة يتخلله صوت الموسيقى العالي الذي يملأ المكان، ولم يحرّك الصمت إلا مجيء النادل..

لقد طلب لكم مصطفى بعض المشروبات الروحية، ولكنه قال لنا أن نخيرك فماذا تفضل؟ عفوًا.. أنا لا أشرب. لا تشرب! لماذا حضرت إذن مع هؤلاء الجميلات، على كل حال يبدأ الحفل الراقص بعد نصف ساعة، وطلب مصطفى أن أخبرك بأنه ترككم لتستمتعوا بوقتكم، وسيأتي الثامنة والنصف ليرى براعتك في الرقص، إن غيرت رأيك وتريد أن تريح نفسك بمشروب روحي فأشر لي لآتيك. لا تشرب! أنت لست مسيحيًا ولا أوربيًا! كنت أتوقع أن تصبح أكثر نعومة في التعاطي مع الجمال بعد الشرب! لماذا؟ هل من لوازم المسيحية الشرب؟! إلى حد ما، فحتى القساوسة يشربونه عبادة ويعدونه شرابًا مقدسًا. وهل من لوازم الأوربي أن يشرب؟ في الغالب نعم، فالأوربيون ليسوا مسلمين متشددين، تعب مصطفى لإقناع عائشة ومنال بأن يأتيا ليكون ردك لهما بهذه الصيغة التي ربما تحولهما إلى مسلمتين متشددتين. أوه.. إذن أصبحت داعية للإسلام المتشدد!!

ديانا هي الوحيدة الصامتة التي لم تتفوه بحرف واحد طوال الجلسة، التفت إليها جورج متعجبًا، فهي التي أعجب بها لما قابلها صباحًا، حيث كانت الوحيدة المتخصصة في مجال الحاسب الآلي والمحترفة فيه..

وماذا عنكِ أنتِ؟ أنتِ النشاز بينهن! لماذا أنا النشاز والمختلفة عنهن؟ متعلمة.. مثقفة.. صامتة! لكني مثلهن سلعة هدية مقدمة لك. ولماذا وافقت أن تكوني سلعة؟

لأهرب من نفسي. كيف؟ أنا تعبت من الحياة ومرضت؛ فكانت وصية خالي لمصطفى أن يخرجني من عقدي النفسية بالمرح واللعب. وأنتِ ما رأيك؟ لو عرفت للحياة معنى لكان لي رأي! لكني كالقشة في مهب الريح تقلبني الحياة بلا معنى، وربما كان أسلوب خالي بالتنسيق مع مصطفى هو الأفضل لي! الأفضل أن تهربي من حياتك وتضيعي عمرك وتتحولي لسلعة؟!! ربما لا تعرف معنى الضياع وفقدان الهدف، وإلا لما قلت لي ذلك، لقد أصبح الانتحار أهون مما أنا فيه. لكنكم في دينكم تعرفون لماذا تعيشون؟ ولماذا خلقتم؟ أنا لا أعرف وأكون شاكرًا لكِ لو أخبرتيني. أخبرني صديقي المسلم اليوم أنكم خلقتم لعبادة الله، وبمعنى فلسفي رائع للعبادة. لكني مسيحية أرثوذكسية ولست مسلمة. المسلمتان انصرفتا، ويمكنك الآن أن تستمتع أكثر؛ فقد اقترب موعد ابتداء الحفل. بما أنكما مسيحيتان مثلي فأنا موافق على أن نستمتع في هذه الليلة لكن بشرط أن تقنعني ديانا. أقنعك بماذا؟ تقنعيني أن السعادة في أن أستمتع بجمالكما الباهر، وأن أشرب الخمر وأنسى الدنيا وأهرب من حياة الشقاء إلى نعيم النسيان. سميرة أقدر على إقناعك مني. شرطي أن تقنعيني أنت يا ديانا. سميرة من أجمل الفتيات المصريات، وهي راقصة بارعة تنسيك الدنيا كلها، خاصة إذا شربت معها كأس من المشروبات الروحية، هل اقتنعت؟! بدأت أقتنع، لكن لماذا تقولين سميرة، ماذا لو كنت أريدكِ أن تشربي أنتِ أولًا وأرقص معكِ أولًا؟ مع إني لم أشرب في حياتي لكني موافقة، فأنا أشعر بضيق كبير الآن، وأود أن أخرج من هذه التساؤلات التي دمرت حياتي. أي تساؤلات؟! تساؤلات مستمرة عليّ منذ فترة طويلة عن سبب الوجود، والخلق، ومعنى الحياة، وما شابه ذلك. وهل تعتقدين أن شربكِ ورقصكِ أو حتى ممارستكِ للجنس يمكن أن تنسيكِ تساؤلاتكِ؟ مؤقتًا على الأقل، أنا جاهزة لما تريد؛ فلا تُطل وتكثر من الأسئلة المتعبة. أنا مثلك أتعبتني الأسئلة، لكني مقتنع أن الهروب منها منهج الأغبياء، والأصح هو مواجهتها والإجابة عليها. وأنا كذلك! لكني تعبت. أنت جميلة في أدبك وفي ثقافتك وفي عقلك، فلا تفسدي كل هذا الجمال من أجل جمال جسدك. أنا سأنصرف الآن شكرًا لكل النصائح ولكل الإهانات التي أهديتها لي.. ثم قامت وانصرفت. بقي أنا وأنت وأنا جاهزة، هل تحب أن نرقص ونستمتع هنا أم في فندقك؟ أين مصطفى؟ مصطفى تركنا لنستمتع ببعض أكثر، هيا. هيا بنا..

قام جورج مع سميرة واتجهت هي إلى منصة الرقص، بينما جورج استدار متّجهًا إلى الباب ليخرج.. وعندما همّ بالخروج رأى مصطفى واقفًا وممسكًا بفتاة.. نظر إليه نظرة خاطفة، وأعرض عنه ماشيًا إلى الخارج..

جورج انتظر.. ماذا بك يا صاحبي؟ لا شيء.. متعب وأود أن أستريح في الفندق. تعال واركب حتى أوصلك. حسنًا، وبسرعة لو سمحت. ما رأيك في الفتيات؟! جميلات جدًّا. تركتك لتأخذ راحتك معهن وتستمتع بهن. استمتعت بهن بما فيه الكفاية. ومن أعجبتك أكثر؟ كلهن، بالمناسبة هل أنت مسلم؟

نعم، واسمي على اسم الرسول ﷺ.

يا لعار المسلمين بك! ماذا تقول؟ لا شيء، أنت مسلم مثل صاحبي جمال، لكنك تختلف كثيرًا عنه. قلت لك هو متشدد متطرف، وأنا تعلمت في الخارج وتفتحت على الدنيا. آمل أن تستعجل أنا متعب، وأود أن أصل الفندق سريعًا. موعدنا غدًا الساعة كم؟ ليس بيننا موعد غدًا؛ فأنا مرتبط لكن سيكون بيننا اتصال. وصل جورج إلى الفندق وهو يضرب كفاه ببعضهما من الحيرة والدهشة، كان يومه طويلًا جدًّا، يوم مليء بالتناقضات والمفاجآت.. شعر بثقل في جسمه؛ فارتمى على سريره فور وصوله إلى الغرفة، وشعر بقلق تساؤلاته يعود إليه بعنف وشدّة.. وتذكر ديانا المثقفة المتعلمة التي افترسها الشك مثله، فهربت إلى اللهو والاستمتاع.. تذكر السؤال الذي أرسله لأصدقائه، وسأله إياه اليوم جمال: «ما الذي يمنعك من أن تدخل في الإسلام؟»...

ظلّ يسترسل جورج في أفكاره ولم يشعر بنفسه إلا الساعة الثامنة والنصف صباحًا، عندما استيقظ من النوم فوجد نفسه قد نام بثيابه وهو في حالة يرثى لها.