face google twiter youtube 

face

تفاؤل وترقب

تفاؤل وترقب

تفاؤل وترقب(1)

مدرسة الحياة

انخرط جورج في القراءة عن المسيحية، كان تركيزه على موضوع صحة العهد القديم والجديد وما أضيف إليهما، شعر بأنه كان يتحاشى هذا الموضوع لحساسيته، لكن لا بد من الولوج فيه وبعمق؛ ليتأكد من صحة كتابه المقدس، فمن أصعب الأمور أن يبقى الكتاب المقدس لدينا مثارًا للشك. استمر جورج يقرأ حتى جاء الغداء، فتناول غداءه وهو يقرأ.. مرت عليه الممرضة لقياس درجة الحرارة، وهو منهمك في القراءة، فقالت له:

كأنما أنت طالب لديك اختبار! هههه، نعم أنا طالب في مدرسة الحياة، واختباري إمّا أن أنجح؛ فأكون سعيدًا، أو أفشل؛ فأكون تعيسًا. تبدو فيلسوفًا! المهم أن أنجح في الاختبار. النجاح في اختبار الحياة صعب، أكثر الناس ـ للأسف ـ يرسبون فيه. لماذا؟ لأنهم يريدون أن يرسبوا، ولا يريدون أن ينجحوا. إما أنك تتفلسفين، أو أنك تخالفين الواقع بطريقة غريبة. بل أتفلسف، هل تسمح لي أن أنصرف فلدي عمل.

ابتسم جورج مندهشًا من طريقتها في الكلام، وكيف ترمي بفلسفة عميقة، ثم تنهي حديثها وتمضي بسرعة.. ما معنى أنّ غالبية الناس يريدون الرسوب في اختبار الحياة، هل يعقل ذلك؟! على كل حال هي موجودة معه في المستشفى، وسيستفسر منها عن ذلك متى ما رآها.. دخل توم على جورج وهو مستغرق في القراءة.. فلم ينتبه له جورج، حتّى وقف بجواره وربت على كتفه مبتسمًا..

لا بد أنك تعرفت على النصرانية وفرقها كاملة. توم.. أهلًا بك. كيف حالك اليوم؟ بخير كما تراني، لم أكن أتوقع أن تأتي اليوم. لقد اخترت وقتًا يغلب على ظني أني سآتي لك وكاترينا غير موجودة. لماذا؟ أشعر بأني أخطأت في تقبيلها، ولا أعرف لماذا فعلت ذلك، وأشعر بأنك لا تحبني أن أقابلها، كما أنك لا تصدقني فيما أقول لك، ومعك حق في ذلك.

ابتسم جورج وقال:

الموضوع بسيط، لكن لماذا تقول لبراد أنك تحب كاترينا وتقبلها دائما، وتتلذذ بها؟ أنا قلت ذلك؟! هذا ما قاله مدير مكتبك “براد” عند زيارته لي اليوم. لم تصدقني قديما فكيف ستصدقني الآن؟ هو كاذب منحط. الذي تتحدث عنه هو مدير مكتبك، وقال لي ذلك اليوم صباحا بحضور كاترينا، ألم تقل له أيضا أنني سأذهب إلى تورا بورا؟ هل خمن أننا تحدثنا عن هذا أيضا؟

الماضي الأليم

آه.. أنا مضطر أن أخبرك ببعض الأمور، ولم أكن أود ذلك. تفضل. كنت أعرف أن براد مدير مكتبي أو سكرتيري سيئ ولا أخلاقي، وسكت عنه؛ لأنه كان يعينني على التلاعب بالنساء سابقًا، ثم صدقني تغيرت مع بداية زيارتك لي ولا أعرف لماذا؟ وتركزت قراءاتي وأبحاثي ونقاشاتي في الأديان وفيما يجلب السعادة. إلا أن ذلك لم يعجب براد وكلمني عن ذلك كثيرًا، بل هددني ببعض الصور القديمة لي مع بعض المريضات التي عنده.. ثم اكتشفت أنه قد رَكّبَ كاميرا تجسس وتنصت داخل غرفتي، وأنه بهذا يعرف بل يصور ما أقول للناس أثناء اتصالاتي وما يحدث داخل العيادة، ولم أعرف هذا إلا قبل ثلاثة أيام، وصار بيننا نقاش حاد في هذا الموضوع، وهددته بالفصل، فهددني بنشر كل صوري وتسجيلاتي التي عنده على الشبكة العنكبوتية مباشرة، وهذا يعني سحب تصريح العمل مني كطبيب، ولا أدري ما أصنع الآن؟! هل تصدق ما قلته لك؟ إن لم تصدقني فأنت معذور.. رغم أنها تبدو قصة خيالية إلى حد بعيد إلا أن لدي شواهد تصدقها. أي شواهد؟ في زيارتي الأخيرة لك لما خرجت مباشرة قابلني براد، وحدثني عن تورا بورا، وأنا متأكد أنك لم تخرج من الغرفة أبدًا خلال الجلسة وأنه لم يدخل. ولماذا لم تخبرني؟ أثار الموضوع دهشتي وقلت: ربما يكون توافقًا أو ما يسمونه التخاطر عن بعد. صدقني لقد قلت لك الحقيقة كاملة، والأمر إليك.

طرقت الممرضة الباب، ودخلت بسرعة..

عذرا على مقاطعتكم، الطبيب يريد الحديث معك عاجلًا، وهو في الطريق إليك الآن. ليتفضل، ما الأمر؟

وصل الطبيب..

تفكير وتوقيع وإقرار..

مرحبا جورج، آسف على الزيارة المفاجئة، لكن الأمر عاجل. تفضل. لقد خرجت باقي التحاليل قبل قليل، وأنت بحاجة لعملية جراحية عاجلة جدًّا، غدًا في مثل هذا الوقت. يبدو الموضوع خطيرًا. في الحقيقة أنا مضطر أن أقول لك نعم، ولذا جئتك في هذا الوقت، فلديك فرصة للتفكير، وتوقيع إقرار بالموافقة قبل الساعة الثانية عشرة ظهرا في الغد. تفكير وتوقيع.. إقرار! يجب علي أن أشرح لك بالتفصيل وبوضوح، الفيروسات التي ترفع درجة الحرارة اكتشفنا أنها تتلف أجزاء من المخ مع كل ارتفاع لدرجة الحرارة، والذي نتوقع أنه سيأتيك بعد الساعة الثامنة مساء في الغد، مما يعني أنه لن يأتي لك إلا وقد بدأنا في العملية، نسبة النجاح في العملية 60% فقط للأسف. والــ 40% الأخرى؟! يكون هناك خلل في بعض أجزاء الدماغ. وماذا يعني ذلك؟ آسف لا أستطيع التنبؤ بهذا الآن.. قد لا يحدث شيء، وقد يترتب عليه أي شيء آخر. والمطلوب مني الآن الموافقة والتوقيع على إقرار بذلك! نعم. وماذا لو لم أوافق على العملية؟ ستوقع إقرارًا بأنه طلب منك ذلك ورفضت.. وإن كان يغلب عليَّ الظن أنّ العمليّة أفضل بالنسبة لك، مع أنّ الحالة جديدة علينا، هل لديك سؤالًا آخر؟ لا، إلا أن يكون هناك معلومات أخرى مهمة في الموضوع. لا يوجد شيء آخر، عمومًا لم أكلمك إلا بعد أن اجتمع الفريق الطبي وهذا رأيهم جميعًا، وإن كان لديك سؤالًا آخر في أي وقت، فاسأل الممرضة، وسيتصلون علي مباشرة لأجيبك على أي تساؤل، أتمنى أن تفكر وتوقع الإقرار قبل الساعة الثانية عشرة ظهرًا. سأفكر وأستشير وأرد عليك. من المناسب أن تأخذ الأمور ببساطة وبلا قلق كما عودتني، فالحياة أو الموت أو المرض أشكال مختلفة للنفس البشرية، ويجب أن تتعايش معها، أستأذنك وسأزورك صباحا الساعة التاسعة، وإن كان عندك سؤال قبل ذلك أخبر الممرضة، ليتصلوا بي. شكرا لك.

قرارٌ صعبٌ وخطير

خرج الطبيب واستغرق جورج في الصمت حتّى قاطعه صوت توم..

جورج.. ليس للحياة معنى ما لم نكن سعداء، كما ليس للموت معنى ما لم نكن نؤمن ببعث وحساب، يا لغرابة فلسفة الموت والحياة! بل يا لغرابة فلسفة الوجود! لماذا خلقنا؟ وإلى أين المصير! في ماذا إذن تفكر؟! كنت أفكر: هل أنا أريد الحياة أم أريد الموت؟ لا تحتاج لتفكير، لا يوجد أحد لا يريد الحياة. ولماذا إذن الانتحار؟ أليست نسب الانتحار تزيد في الدنيا كلها؟ ألم أكن أنا يومًا أتمنى الانتحار؟ عجيب هذا منك خاصة، المنتحر ينهي تعاسته بتعاسة، أما السعيد فلا يحتاج لذلك أبدًا. عندما ذهبت لأنتحر كانت الدنيا كلها قد ضاقت بي، وكنت في تعاسة بلا حدود فكنت أريد أن أنهي تعاستي بتعاسة كما ذكرت. وهل ما زلت في التعاسة، لتفكر هل تريد الموت أو الحياة؟

تفاءل بالخير تجده

في الحقيقة منذ بدأت في طريق السعادة وأنا أشعر بالسعادة وأقول لنفسي: كيف لو وصلت للسعادة إذن؟ إذن تمسك بالحياة لتصل للسعادة. أنا أريد الحياة، لكن السؤال: هل الحياة تريدني؟ لقد رأيت ماري وهي تصارع تريد الحياة، لكن الموت صرعها... ثق بالرب وسيعينك. هههه، لقد أصبحت واثقًا متدينًا يا توم! ألم أقل لك أني تغيرت؟ صدقني لم أكن أتوقع أن أتغير، بل ولم أخطط للتغير، ولا أعرف كيف تغيرت، لكني بصدق قد تغيرت. رغم الحالة التي أنا فيها، لكن لدي سؤال: هل كنت أسعد أم أنت الآن أسعد؟ يمكن أن أجيبك عن سؤالك الذي أرسلته لي بالبريد سابقًا عن متعة الجسد والروح، كنت أمتع جسدي بشقاء روحي، فيشقى جسدي كذلك! والآن؟ لم أصل للسعادة، لكني لست بنفس الشقاء السابق على الأقل. ولو كنت مكاني، هل تتمنى الموت أو الحياة؟ الحياة بلا شك، ربما لو سألتني سابقًا لقلت لك الموت.. فشقاء الموت ينهي شقاء الحياة. أتذكر عندما قابلت العجوز في طريق انتحاري، كان سعيدًا جدًّا، ومستمتعا جدًّا باللعب مع حفيده، ليتني أخذت عنوانه. المهم الآن، أنا أرى أنه يجب أن توقع على قبول العملية، فالأطباء أعرف منّا، إلا أني أقترح عليك أن تستشير كاترينا أولًا. وهذا هو رأيي أيضا.. وإن كان لا بد من ترتيب أموري، فنسبة فشل العملية 40%. تفاءل يا صديقي، ولن يكون إلا ما تحب، ولا بأس أن يستعدّ الواحد منّا لكل الاحتمالات.. ستقوم من مرضك وستصل للسعادة، لكن لا تنس أن تأخذني معك.. سأتركك لتفكر في الموضوع، وسآتيك غدًا لأطمئن عليك، أستأذنك.

بين الحياة والموت

استلقى جورج يتأمل في معنى الموت الذي ربما يواجهه، وقد واجهته بنته ماري أمام عينيه، ماذا يعني الموت؟ بل ماذا تعني الحياة؟ هل الموت راحة من شقاء الدنيا؟ أم نهاية لسعادة الدنيا؟ إن كانت الأولى فأهلًا بالموت، وإن كانت الثانية فهذا يعني أنه قد وصل إلى السعادة وعرفها، ابتسم بسخرية وهو يفكر بهذه الطريقة، وقال لنفسه: يبدو أني سأموت وأنا أتفلسف فلسفة لا توصل لشيء.. قطع أفكاره رنين هاتفه فإذا المتصل آدم..

ألو مرحبًا. مرحبًا جورج أحببت أن أطمئن عليك فقط، كيف صحتك؟ أنا بين الحياة والموت، لا أدري لأيهما أقرب؟ لم أفهم، كيف؟ 60% حياة أو 40% موت أو عاهة. لم أفهم شيئًا، وإن كنت تمزح فأنا لا أحب هذا المزاح. ليتني أمزح لكنها الحقيقة.. ربما أجري غدًا عملية احتمال نسبة نجاحها 60%. الحمد لله على كل حال. كم أتمنى أن أراك اليوم؟ يبدو أنه غير ممكن اليوم؛ فقد انتهى موعد الزيارة، لماذا لم تتصل علي مبكرًا؟ لا أعرف، هل تستطيع أن تأتي إليّ في الزيارة الصباحية غدا؟ قطعًا سآتيك، ولو كنت أستطيع أن آتي الآن لفعلت، لكني أؤكد لك أن الأعمار بيد الله، وليست بيد الأطباء وإن كانوا سببًا مهمًّا.

قلق الموت وخشيته

لا أعرف: أأنا خائف من الموت، أم غير مكترث به؟ كل الذي أعرفه أن الموت حقيقة ضخمة تعيد ترتيب الحياة بالكامل. لا تخف، ولا تجزع؛ فالله أرحم بنا حتى من أنفسنا. صدقني لا أعرف: أخائف أنا أم مضطرب؟ أم ماذا بي؟ كل ما أشعر به أني يجب أن أعيد ترتيب حياتي مرة أخرى.. ألا ترى سخريتي بنفسي؟ أي سخرية؟ لما خشيت الموت قررت أن أرتب حياتي، ألم يكن الأولى بي أن أرتب حياتي وأنا مقبل عليها، لا وأنا خارج منها؟ لقد كنت ساعيًا في ترتيب حياتك سابقًا، ولا بد أن ترتب ما بقي، إلا أن ما بقي لا يعلمه إلا الله.. وأنا أحب التفاؤل وأكره التشاؤم. أنا في حالة اضطراب، هل تتوقع أني سأموت؟ ستعيش بإذن الله وتبقى إلى أن تصل إلى السعادة التي تسعى في طريقها، وعند ذلك ستكتسب الحياة الدنيا وما بعد الموت معناها. جميل تعبير “حياتنا بعد الموت”، قد أتناقش معك فيه غدًا، اعذرني أنا مضطر أن أتصل بكاترينا لأخبرها. نعم.. لا بد من أن تستشير زوجتك، وآسف إن كنت أطلت عليك، أستودعك الله، مع السلامة. كم أنا ممتن لك آدم، وأنتظرك صباحًا، مع السلامة.

الأعمار بيد الله

أنهى جورج المكالمة وكلمات آدم ترن في رأسه، ووجد نفسه يكررها بشكل تلقائي: «الأعمار بيد الله وليست بيد الأطباء»، «الله أرحم بنا حتى من أنفسنا»، «أحب التفاؤل وأكره التشاؤم»، «عندما نصبح سعداء تكتسب الحياة الدنيا وحياتنا بعد الموت معناها».. لا يعرف لماذا كلمات آدم البسيطة العميقة دائما تهزه من الداخل؟ هل السر فيها أم في صدقه؟ أم هو في وضعه المضطرب الذي لا يعلم كيف يسيطر عليه.. قطع جورج تسلسل أفكاره؛ فلا بد أن يتصل ويخبر كاترينا ويستشيرها..

مرحبا كاترينا اشتقت إليك وكنت أنتظرك اليوم. كنت قادمة إليك إلا أن طارئًا بسيطًا أخّرني. لعله خير! في الحقيقة كان لدى سالي واجبات دراسية وطلبت مساعدتي. أين أنت الآن؟ في البيت، ما الأمر يا جورج؟ فقط أحببت أن أستشيرك في شيء؛ فقد أخبرني الطبيب أنه يمكن أن تجرى لي عملية غدًا إن وافقت عليها. غدا مباشرة، لما العجلة؟ وما العملية؟ كل ما أخبرني به الطبيب أنه من الأفضل أن تجرى غدًا الثامنة مساءً. حبيبي.. ماذا تقول؟ سآتي الآن إلى المستشفى. أظن من الأفضل أن تأتي غدًا صباحًا. ما هي العملية؟ عملية في الدماغ. الدماغ!! وهل هي خطيرة؟ ربما، المهم أن الطبيب يقول لي من الأفضل أن تجريها رغم أن احتمال نجاحها 60% فقط، فما رأيك؟ لا أعرف، سأصلي لأجلك طوال الليل، وسآتي صباحا ومعي مايكل وسالي. أنتظرك حبيبتي.. مع السلامة.

ارتمت كاترينا على فراشها تبكي بكاءً حارًّا، لم تستطع أن تتخيّل غياب جورج عنها وعن حياتها.. كيف لو أنّ العمليّة فشلت.. كيف لو أنّه أصيب بعاهة.. كيف وكيف..؟ ثم قامت تدعو وتصلي له.. أمّا جورج، فقد شغله التفكير في كاترينا وابنيه، استحوذ على اهتمامه التفكير في المال.. ابتسم وهو يتذكر أنه جدد بوليصة التأمين على حياته؛ مما يعني مبلغًا جيدًا لكاترينا وأبنائه. كما أن عقد العمل في شركته يوفر له مبلغًا جيدًا، خاصة وأنه مرِض وهو في رحلة العمل، ويستطيع أن يثبت ذلك. إلا أنه يشك في أن كاخ سيعطيه شيئًا لو مات، فكاخ لا يفكر إلا في نفسه.. وفي دوامة الأفكار تلك أخذته عينه ونام..

تفاؤل وترقب(2)

الأمر كله لله

استيقظ جورج مبكرًا، تناول فطوره وهو يحسّ برأسه ثقيلًا مزدحمًا بما عصفت به الأسئلة والأفكار، غلب عليه الموافقة على العمليّة، لكنّ القلق أخذ يستبدّ به.. ماذا عليه أن يفعل قبل العمليّة.. كاترينا وأبنائه لم يغيبوا عن باله أبدًا.. ما إن بدأ وقت الزيارة الصباحيّة، حتّى انتبه لآدم يدخل عليه الغرفة مبتسمًا..

بشرني.. كيف صحتك؟ بخير.. لا جديد، أنتظر الطبيب، وأتوقع أن يأتي بعد قليل، وإن كان ليس بيده شيء. صدقت، ليس بيد الطبيب شيء، بل ليس بيد البشر كلهم شيء. إذن من بيده أمر كل شيء؟!! الله هو الذي بيده كل شيء. من إلهك يا آدم؟ إلهي هو إلهك وإله العالمين، فدعني من هذا الآن. إذن أنت بروتستانتي؟! عندما تصل للسعادة في مشروعك للسعادة، سأكون معك. هذا إن عشت بعد العملية! تفاءل.. تفاءل، كم أكره التشاؤم! الدنيا تقوم على التشاؤم، فلماذا ترفضه؟ الدنيا لا تقوم إلا على التفاؤل، فدع عنك الخرافات. بصدق.. ألا تتشاءم من الرقم 13؟ قطعا لا، فالذي يدبر الكون هو الله فقط، وبالمناسبة يتفاءل الصينيون بالرقم 13؛ لأن مقاطعه الصوتية تتشابه مع عبارة معناها: (يجب أن أحيا)، والمسألة لا تعدو خرافة في خرافة، وبعدًا عن منهج الله. بما أنك بروتستانتي ألا تتشاءم من تاريخ 13، حتى إذا وافق يوم الجمعة؟ ألا تعرف أنه في التاريخ المسيحي آخر اجتماع سري جمع المسيح عليه السلام بحوارييه، قبل أن يقوم يهوذا بخيانته وكشف مكانه،كان يوم جمعة وكان عدد الحاضرين ثلاثة عشر رجلًا؟ لا أؤمن بالخرافات، جئت لأطمئن عليك، لا لأتناقش معك عن التشاؤم والتفاؤل، وأحب لصديقي أن يعيش دائمًا متفائلا. كيف تريدني أن أتفاءل ونسبة نجاح العملية 60% فقط؟! ربنا رحيم كريم، وهو الذي بيده كل شيء، وما الأطباء إلا سبب، إن تفاءلت فستكون أسعد، ويمكنك أن تعيش أفضل، ونسبة نجاح العملية أفضل، وإن تشاءمت فسيكون وضعك أسوء وحالتك أسوء، ولن يكون لك إلا ما كتبه الرب الرحيم لك، ماذا بك يا جورج أنت لست هكذا؟ كنت أختبرك وأرى ماذا تقول، وإلا فأنا أكره الخرافة والدجل، وأتعلم منك حب التفاؤل.. لكن قل لي: كيف يتفاءل من هو في مثل حالتي؟

وصلت كاترينا مع مايكل وسالي، ودخلوا الغرفة بلهفة وعجلة إلى سرير جورج..

لا بأس عليك يا جورج، كيف أنت الآن؟ بابا كيف أنت؟ قلقنا عليك. بابا ماذا حدث لك؟

آثر آدم الانسحاب؛ ليترك للعائلة فرصة الجلوس مع والدهم قبل موعد العملية..

أستأذنكم سأنصرف، وأعتذر عن إزعاجكم. أوه، مرحبا آدم.. عذرًا لم أنتبه لوجودك. لا، لا تذهب، فأنا أريد بقاءك، إلا إذا كنت مستعجلًا. لست مستعجلا، ولكني أريد ألا أزعجكم. ليس هناك أي إزعاج، ويسعدنا وجودك.

قرب جورج مايكل وسالي، وأجلسهما على طرف سريره.. وهو يسألهما عن المدرسة والبيت..

نحن بخير يا بابا، متى ستعود إلى البيت؟

تفاؤل وترقب

قالت أمي بأنك ستأتي بعد ثلاثة أيام، وأننا سنسافر بعدها مباشرة إلى روما. لقد اشتريت التذاكر، وموعد سفرنا بعد عشرة أيام. اشتريت التذاكر؟! كيف؟! لا أظن وضعي يسمح بذلك. لا تخف، ستكون بخير. ما رأيك يا آدم؟ قرار مبارك، وسيتحقق بمشيئة الله، وهذه إجابة سؤالك. أي سؤال؟ ألم تكن تسألني: كيف تتفاءل في مثل هذه الظروف؟ تفويض الأمور إلى رب رحيم كريم يجعلنا نرتاح في حياتنا. كاترينا وهي تحبس دمعة في عينيها: لقد بت البارحة طوال الليل أبكي وأصلي من أجلك، ثم رأيت أن بكائي لا ينفعك، بينما دعائي ينفعك، وقد تأخرت قليلًا؛ لتأكيد الحجز اليوم صباحًا، فما رأيك يا جورج؟ كم أنا سعيد بك كاترينا، اتفقنا.. سالي الجميلة قولي لي: هل أنت متحمسة للذهاب إلى روما؟ كثيرًا يا بابا، أريد أن أشاهد نافورة تريفي. وما هي نافورة تريفي؟! نافورة كبيرة، درسنا ذلك في مادة الجغرافيا. وأنا أريد مشاهد قلعة سانت أنجلو، وهي القلعة التي بنيت لرماد الأباطرة، وأصبحت بعد ذلك متحفًا، كما درسنا في مادة الجغرافيا. أما أنا فأريد زيارة كاتدرائية القديس بطرس. تبدو الأمور مرتبة.. آمل أن يتحقق ذلك..

صرخ الطفلان فرحًا، وقبلا والديهما.. فيما كان آدم قد تنحى وجلس على كرسي في زاوية في الغرفة؛ ليبتعد عن الجلسة العائلية الخاصّة التي واصلت حديثها عن السفر بحماسة وسعادة.. حتّى قالت كاترينا لأطفالها:

الساعة الآن التاسعة، والسائق في الخارج في انتظاركما. حسنًا.. إلى اللقاء يا بابا.. إلى اللقاء أحبائي..

التفت جورج إلى آدم الجالس وحده..

عذرًا آدم، أما تضايقت؟ من ماذا؟ من سفرنا لروما؛ فأنت بروتستانتي ولست كاثوليكيًّا. لم أتضايق، بل أحثك على السفر؛ حتى تتعرف على الدين المسيحي بمختلف مذاهبه بشكل أكبر. أنت عجيب يا آدم!! متى ما صدقنا في بحثنا عن طريق السعادة، فكل جهد ومعرفة إضافية هو نوع من وضوح الطريق، يجب أن نحرص عليه، ألم أحثك على الذهاب للهند وللقدس سابقا؟ فما الجديد؟ الجديد أن بيننا وبين الكاثوليك ثأر وقتال.. ألم تقتلوا أيها البروتستانت منهم الملايين في حرب الثلاثين عامًا؟ القتل بهذه الطريقة الهمجية لا يحبه أحد، ثم من قال لك أني بروتستانتي؟ ربما أكون كاثوليكيًّا؟ عندما تعود من سفرك سأخبرك. يبدو أنك كاثوليكيا، فهناك نقاط التقاء بينك وبين كاترينا.. سأتعرف على الكاثوليكية أكثر في قراءاتي هذه الأيام وفي سفري، وإلا فانطباعي الأول بأن فيها وثنية غريبة، ولا أحب كنائسها التي كلها تماثيل وصور مثلها مثل معابد الوثنيين. وتحب البروتستانتية التي تقتل الناس؟! هذا يؤكد لي أنك كاثوليكيا. ليس هذا مقصدي، في بحثك عن طريق السعادة، ابحث عن الحق مع أي طائفة كانت، وعند ذلك ستجد السعادة والراحة والطمأنينة.

عادت كاترينا إلى الغرفة بعدما ودّعت طفليها..

أعتذر عن التأخر، فقد طلب مني مايكل وسالي بعض العصائر والسندوتشات قبل ذهابهما مع السائق. أنا شاكر لك يا كاترينا ترتيبك لهذه الرحلة، لقد أزلتِ من نفسي تخوفات الموت التي كانت تراودني. حينما تسمو روح الإنسان، وتتكشف أمامه الحقائق، ويعرف أن الموت كائن فيه، وأنه ممكن في أي لحظة, فإنه لا يعود أسيرًا لمغريات الحياة ولذاتها, ولا تعود الأشياء التي في هذا العالم تستأثر بكل تفكيره واهتمامه.. ويستطيع الإنسان الواعي لوجوده ومآله أن يدرك بسهولة أنه يحيا ليموت، وأنه يموت ليحيا ويخلد بعد ذلك. فلسفة رائعة: نحيا لنموت، ونموت لنحيا، لكن المشكلة في ألم الموت. تحمل اليسوع الألم من أجل البشرية، فالألم عنصر أساسي في الخلاص الأبدي، وتحملنا للألم دلالة على محبتنا للمسيح. إذن لماذا الدنيا؟ فائدتها في أن تستعملها في خدمة الرب وخدمة الرب فقط. ما رأيك يا آدم؟ في ماذا؟ في أن الحياة ينبغي أن تكون كلها في خدمة الرب والسعي إلى مرضاته. أتفق تمامًا مع ذلك.. إلا أن خدمة الرب ليست في الصلاة له فحسب.

كاترينا بإعجاب:

رائع، كثيرا ما ننسى ـ للأسف حتى القساوسة ـ أن كل الحياة عبادة ينبغي أن تكون للرب.

أخطر سؤال في التاريخ

جورج بابتسامة ساخرة:

ويبقى السؤال المتكرر من يعبد الرب الرحيم على الحقيقة؟ ومَن يعبد وثنًا أو صنمًا، ويسمِّيه ربًّا؟

آدم بحزم:

ربما هذا أخطر سؤال في التاريخ. كأنك تلمح يا جورج للخلاف بيننا في الرب. ماذا تقصدين؟

الربّ في المسيحية

نحن المسيحيون متفقون بأن الرب متكون من ثلاثة أقانيم، ومتفقون على أن أول هذه الأقانيم هو الأب، وثانيها هو الابن، وثالثها هو روح القدس، والثلاثة إله واحد. حتى لو اختلفنا بعد ذلك في طبيعة الابن وروح القدس. لم أقصد ذلك ولم يخطر ببالي، فأنا أحاول ألا أفكر في ذلك، فأنا لم أفهم كيف تكون الثلاثة واحد، والواحد ثلاثة، متساوية في الجوهر، مختلفة في الصفة وفي الطبيعة، ومع ذلك كلها آلهة! هذا من أصعب القضايا في المسيحية، وأقترح أن نناقشه في روما، فهو موضوع شائك لا يمكن شرحه في مثل هذا المكان. لا بأس، وإن كنت كذلك لا أفهم كيف يكون الرب الذي نفني حياتنا في عبادته لا نعرفه بشكل جيد بل صعب فهمه؟ بل لا أرى فرقًا أحيانا بيننا وبين الوثنيين!! صدقني أنا لا أتهرب، فهذه مشكلة لدى كل مسيحي أيًّا كان مذهبه، ولذا سنناقشها بعمق في روما.

آدم بابتسامة:

بالنسبة لي أنا أتفق مع كاترينا، فهذا موضوع خطير، بل من أهم الموضوعات، ولا ينبغي أن يناقش سريعًا بهذه الطريقة؛ إذ لا يمكن أن يستمر عاقل في دين يرى أنه وثني، ولا يمكن أن يكون دين سماوي من الأديان الوثنية. هههه، إذن وأتفق أنا أيضًا معكما أيها الكاثوليكيين، وإن كنت أعتقد أن كل المسيحيين يشعرون بالوثنية أحيانًا!

كاترينا باستغراب:

هل أنت كاثوليكي يا آدم؟ أحيانا يسميني الكاثوليكي، وأحيانا أخرى يسميني البروتستانتي. هههه، لقد تأكدت الآن أنه كاثوليكي..

دخل الطبيب فيما كان جورج يضحك.. واقترب من سرير جورج مبتسمًا..

مرحبا كنت متأكدًا أني سأجدك سعيدًا هكذا رغم ما قلته لك. أهلًا، لكن لماذا كنت متأكدا هكذا؟ أي مثقف ومتدين لا بد أن يكون أكثر تسليمًا لله من غيره. لكن من هو الله؟ قلت لك سابقا إنك فيلسوف، أنا مسيحي وأتحاشى هذا الموضوع؛ فأنا لم أفهمه، رغم الجهد الكبير الذي بذلته في ذلك، لكني متأكد من وجود الله الرحيم الكريم القادر، وهذا يكفيني. لكني لا أشعر أنه يكفيني أبدا، كيف أعبد من لا أعرفه؟ أنت تتفلسف، المهم هل وقعت الإقرار لإجراء العملية؟ لا، ولكني جاهز للتوقيع، أليس كذلك يا كاترينا؟ هل هناك أمور تزيد من احتمال نجاح العملية؟ أو مكان أفضل لإجراء العملية؟ هناك مستشفى في ألمانيا أفضل مستشفى في إجراء هذه العملية، لكن على كل الأحوال لا يمكن الآن الانتقال لمستشفى آخر، فيجب إجراء العملية اليوم، وقد تواصلنا بالأمس مع الاستشاري الموجود في ألمانيا وطمأننا جدًّا، أما بالنسبة لما يزيد نجاح العملية فلا أعرف شيئًا محددًا يمكن ذكره. وبماذا تنصحنا؟ أن توقعوا الإقرار بسرعة، وسنبدأ في فحوصات العملية الساعة الخامسة، وستجرى العملية اليوم الساعة الثامنة. ومن سيجري العملية؟ كبير الجراحين، دكتور ستيف مايك، وهو طبيب استشاري متخصص. بإمكانك أن تعطينا الأوراق حتى نوقعها، وإن كان هناك شيء آخر تنصحنا به فجيد. لا شيء إلا أني أحب أن تبقى سعيدًا حتى العملية، فمن تجربتي غير الموثقة علميًّا أن النفسية المتفائلة الإيجابية تنجح عملياتها أكثر. جميل.. ربما تكون متفقًا مع آدم على التفاؤل. أظن أنه يتفق العقلاء كلهم على ذلك بما فيهم أنت. بل ربما تفوقت علينا كاترينا بحجزها وترتيبها للسفر بعد إجراء العملية. رائع، أنت لا تحتاج بعد العملية لأكثر من أسبوع للراحة والمتابعة، ثم بإمكانك الخروج.. وإن كنا ننصح بعدم السفر إلا بعد عشرة أيام من العملية. الحمد لله الحجز بعد عشرة أيام من اليوم، أظنني قدرت الحجز جيّدًا.. نعم، وهذا رائع منك.. أتدري يا جورج أبارك لك زوجتك وأصدقاءك الرائعين. وستصلك الأوراق بعد قليل لتوقيعها، وسأبدأ في إجراءات إجراء العملية، متمنيًّا لك الشفاء.

اعقلها وتوكل

بعد خروج الطبيب التفت جورج إلى كاترينا وقال...

يبدو أن الأمور تتجه لإجراء العملية، ولم يعد لدي الكثير من الوقت قبل العملية، وأود أن أرتب بعض أموري. جيد، ماذا تقصد؟ كتبت تفصيل كل ما أملك من أموال حتى لا تضيع بعد وفاتي، وقد كتبتها كلها بحيث توزع عليك وعلى طفليّ فقط. لا تقل ذلك يا جورج.. أنت ستعيش وتقوم بالسلامة. عذرا على المقاطعة، رغم تفاؤلي وتأكدي من خروجك بالسلامة، إلا أن هذا مهم ومهم جدا؛ فلو لم تفعل ذلك فلربما ضاعت بعض أموالك. وعذرًا بل ربما منعت زوجتك من بعض حقوقها لو طبقت بعض المفاهيم الكنسية. لم أعد أفهمك، كيف تقول ذلك وأنت المتدين؟ ماذا عن أبيك وأمك؟ لم أرهما منذ قرابة العشر سنوات. ربما ليس هذا وقته.. لكن هذا خطأ بلا شك. أتفق معك، وقد كلمته في والديه أكثر من مرة، كم أتمنى لو والداي موجودان. يبدو أنكما تتفقان عليّ اليوم، أعدكما أني إن أفقت بعد العملية فسأزورهما قبل سفري.. يبدو أن العملية ستكون فارقة في حياتي. ولو أشرت إليهما في وصيتك لكان حسنًا. نعم، فقد وصى الكتاب المقدس بالوالدين: “إِنَّ اللهَ أَوْصَى قَائِلًا: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ”. للأسف وصايا الكتاب المقدس أحيانا تتعارض عندي، فمثلًا قرأت ما تقولين وقرأت أيضا: “إن كان أحد يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وأخوته وأخواته حتى نفسه، فلا يمكن أن يكون لي تلميذًا”. في الكاثوليكية عند وجود تعارض في أذهاننا مثل الذي ذكرت، نحيل الموضوع للبابا؛ للفصل فيه، أما البروتستانت فيتعبون كثيرًا في ذلك. ستعيديننا للبابوية المقيتة المصادرة للعقل القريبة من الوثنية، المهم سنناقش هذا فيما بعد. الأهم الآن أن نعود لما كنا فيه، وسأضيف والديّ في الوصية، بناء على وصيتكما، وأشهدكما على الوصية بعد قليل. هذا مهم، وإن كنت متأكدا من خروجك بالسلامة إن شاء الله. كما أني قد جددت بوليصة التأمين على حياتي قبل شهر، وهذا ضامن لكم بعد وفاتي. الضامن هو الله وحده، وهذه أسباب فقط. وبالنسبة للبيت.. من المهم أن تكتب كل ما تريده في الوصية، والأهم الآن أن نبتهل لله بالدعاء أن يشفيك وتنجح العملية، وأنا متأكد من ذلك.. ثم ابتسم، وقال: ولا تنس فأنا أريد منك هدية من روما.

مسحت كاترينا دموعها التي انهمرت رغمًا عنها، وابتسمت لطلب آدم..

نعم.. الأهم أن نتضرع لله بالدعاء، وما الهدية التي تريدها من روما؟ هههه، لا يوجد في روما دهن عود هندي ولا إيطالي، ولن أحضر لك هدايا كاثوليكية من الفاتيكان. لا أريد هذه ولا هذه، أريد هديتين؛ الأولى حقيبة جلدية فاخرة جدًّا ورخيصة جدًّا، فإن لم تكن رخيصة فلا أريدها. والثانية أريد صورة كبيرة للاعب كارنفارو، فهو أسطورة إيطالية في كرة القدم. حقيبة جلدية فاخرة جدًّا ورخيصة جدًّا، لا أظنه ممكنا.. هههه إلا إذا وجدنا مطيع الرحمن في إيطاليا. الذي سخر مطيع الرحمن في الهند، سيسخر مطيعًا آخر في إيطاليا. ولأول مرة أكتشف أنك رياضي! كارنفارو فاز بلقب أفضل لاعب بكأس العالم السابق، ويعتقد معظم النقاد بإيطاليا بأنه خليفة الأسطورة السابق فرانكو باريزى، وعموما أنا أحب أن أمارس الرياضة أكثر من مشاهدتها، لكن هذا هو طلبي. وإن أردت صليبًا من الفاتيكان سأحضره لك أنا؛ إن لم يحضره جورج. ما أكثر ما تتفقان عليّ. شكرا. وإنما أداعب صديقي، هل تسمحان لي بالانصراف؟

تعارف طيب

في تلك الآونة.. دخل توم وشاهد الابتسامات والضحكات..

يبدو أن هناك أخبارًا جديدة يا جورج، طمنا عليك. لا جديد إلا أن صديقي آدم يريدني أن أحضر له هدية من روما؛ حقيبة جلدية إيطالية فاخرة جدًّا ورخيصة جدًّا، فكنا نضحك من ذلك. من روما؟! ستسافر روما لإجراء العملية هناك؟! أعرفك بصديقي آدم أولًا، وأعرفك يا آدم بطبيبي وصديقي توم.. سأجري العملية اليوم وسأسافر بعد عشرة أيام إلى روما للسياحة مع حبيبتي كاترينا وأبنائي، ولا أدري كيف أحضر له الحقيبة؟ ما أروع هذه الروح المتفائلة، هل تغير شيء في موضوع العملية؟ لا، لكن تغيرت نظرتي للحياة بالتفاؤل الذي جاءتني به كاترينا، وتعلمته من آدم. كم نحتاج أن نتعلم التفاؤل، فكثير من الأمراض النفسية حلها في التفاؤل، لكن تعلمه صعب أحيانًا. اجلس مع آدم وسيعلمك إياه، فهو يمتلك رصيدًا كبيرًا منه. إذن لا بد أن أسعد بالتتلمذ عليه والتعلم منه. وبصراحة كثير من إجاباتي التي أتفلسف بها في جلساتي معك آخذها إما منه، أو من كاترينا.. أتذكر لما قلت لك: يجب أن نأخذ الأمور ببساطة وبلا تعقيد، هذه أخذتها من آدم. رائع، هذه النقطة بالذات غيرت جزء من تفكيري وطبيعتي بعد أن سمعتها منك، فطبيعتي وقراءاتي تنحو للتعقيد لا للتبسيط. جورج مجامل رائع، وإلا فأنا أجلس معه لأتعلم منه، فأنا مجرد نادل في مقهى، وهو أستاذي ومعلمي.

كاترينا بابتسامة:

بما أننا بدأنا في المجاملات؛ بل هذا هو جهد توم الذي أنهى مشكلة تساؤلات جورج المحيرة.

توم باستغراب:

عذرا.. للتأكد فقط، ستجري العملية اليوم؟ يبدو أنك لم تصدقني، نعم.. أظنك لا زلت تحتاج إلى دروس في التفاؤل، وقد رتبت أموري كلها، وأحتاج فقط أن أجلس نصف ساعة مع نفسي لكتابة بعض الأوراق؛ فالموت والحياة بيد الله. ومتى العملية؟ ستبدأ الإجراءات الساعة الخامسة، والعملية الساعة الثامنة.

نظر آدم في ساعته...

أستأذنكم الآن، فلا بد أن أذهب إلى المقهى. أنا ممتن لك آدم، أنت خير صديق. لحظة يا آدم، هذه بطاقتي أتمنى أن أتعرف عليك وأجلس معك. من الضروري أن تلتقيا.. آدم يبدو أن توم تغير عما قلت لك سابقًا. لي الشرف أن أقابلك، وأعتذر فأنا لا أملك بطاقة..

ثم أخرج ورقة وكتب اسمه ورقمه وأعطاها لتوم، وألقى التحيّة ومضى..

رغم قصر مدة معرفتي بآدم؛ فهو من خير أصدقائي. هو رجل طيب، لما كنت في غيبوبة وزارنا كاخ سخر منه لأنه نادل، فلم يقل له أي شيء.. فقط قال بأنّ قيمته في نفسه، يستمدها من داخله، لا من الخارج. من الضروري أن أقابله وأن أتعرف عليه.. وشيء جيد أنك اقتنعت بتغيّري يا جورج.

رنّ هاتف جورج، فاستأذن من توم وكاترينا ورفع السماعة، فإذا هو مديره كاخ..

تبدو بخير الآن، لقد زرتك وأنت في غيبوبة، وكان عندك النادل، كيف حالك الآن؟ أنا بخير، والنادل صديقي، ولا أسمح لأحد أن يقول عنه ما يسوءه. هههه، أبشرك.. قرر مجلس الإدارة صرف مكافأة لك على أنك استطعت أن توقع ثلاثة عقود كبرى في شهر واحد. شكرًا لك ولهم، ربما كانت المكافأة بسبب أني دفعت الرشوة. دع عنك هذا، متى ستبدأ في الدوام؟ فأنت لم تقدم إجازة. لا أدري سأجري اليوم عملية جراحية، وسأسافر بعدها إلى روما للتنزه، وعندما أعود سأكتب لك إجازة، وسأقرر هل أكمل في العمل أم لا؟ تبدو عصبيًا أو متعبًا، فما عهدتك تتكلم هكذا. للأسف قد تجاوزت مبادئي، وكنت أداة لرشوة بنيامين. حتمًا أنت متوتر بسبب العملية، سأتصل بك لاحقًا، مع السلامة. مع السلامة.. ما الأمر حبيبي..؟ هذا كاخ الصورة العكسية لآدم، لا أدب ولا خلق ولا مبادئ! كثيرون من هم مثله في مجتمعاتنا بسبب المادية المفرطة، والإلحاد والبعد عن الدين.

توم معقبًا:

البعد عن الرب هو أكبر مشاكل البشرية فيما أظن، ومن أكبر أسباب القلق والضياع والكوارث. أن تقول هذا كاترينا؛ أفهم ذلك، لكن أن يقوله توم فهذا جديد!! هههه، ألم تقل أنك اقتنعت أني تغيرت، ثم من جانب آخر كل الدراسات العلمية تثبت ذلك، لكن الكارثة الحقيقية في رجال الدين. تقصد في البابوية الكاثوليكية. أفهم ما ترمي إليه، لكني إنما جئت للاطمئنان عليك، فلعلكما أن تأذنا لي، وسأزورك غدًا. شكرا لك توم، لقد سعدت بزيارتك.

إثر ما غادر توم.. التفتت كاترينا إلى جورج..

حقيقة توم تغير جدًّا! نعم، الدين يغير كل شيء في الإنسان. رائع، يبدو أنك تغيرت أيضا يا جورج. ربما! سأذهب للبيت من أجل الأطفال، وسأتفرغ للدعاء لك، وسأعود إليك في الخامسة. ضروري أن تعودي، وسأكون قد أنهيت الأوراق لأسلمها لك.


تفاؤل وترقب(3)

ساعات مصيرية

انهمك جورج في كتابة وصيته، وحصر ممتلكاته، وأنهى ذلك في غضون ساعة.. ثم قرر أن يرسل لكل أصدقائه طلبًا بأن يدعوا ويصلوا من أجله، وأخبرهم بالعملية التي سيجريها. كان يود أن يكون الدعاء من كل الأديان والمذاهب، لعله يستجاب ممن هو على الصواب والحقّ.. أرسل لأصدقائه، وخصّ حبيب الكاثوليكي، وليفي اليهودية.. انتبه إلى أنه لا يعرف من أصدقائه من هو مسلم، ثم تذكر مطيع الرحمن وأرسل له، ولمـّا ذكر الهند تذكّر البوذية جوتسنا، لكنه قال لنفسه: أما هؤلاء فوثنيون، هم من يصنعون ربّهم، ولا أظنه ينفع أو يضر، كم أكره الوثنية.. ثمّ أغلق جهازه. رنّ هاتفه وكان رقمًا غريبا، فأجاب..

ألو مرحبا. مرحبا جورج، طمأنا عليك. مرحبا، من المتصل؟ يبدو أنك نسيتني، أنا ليفي من تل أبيب. أهلًا أهلًا.. كيف أنسى من أحسنت إليَّ وتعلمت منها؟ اشتقت لك يا ليفي، وعذرا لأني لم أعرف صوتك، فلم أكن أتوقع اتصالك. ما خبر العملية؟ أنا قلقة عليك جدًّا. أشكر لك مشاعرك، ستجرى العملية اليوم، وأنا متفائل بنجاحها، وإنما أرسلت لكم؛ لتدعوا وتصلوا من أجلي. سأصلي من أجلك، لكن للأسف بالطريقة اليهودية. ولماذا تقولين للأسف؟! منذ زيارتك وأنا أقرأ في المذاهب والأديان والأفكار؛ لأبحث عن طريق السعادة، وكنت وما زلت أنتظر أن تأتيني توجيهاتك للوصول إلى السعادة. أظنك تبالغين قليلًا، أنا الذي تعلمت منك، أنت بالذات تعلمت منكِ الصراحة مع النفس.. بالمناسبة ما أخبار صاحبنا حبيب؟ هو بجواري، ويريد أن يكلمك. هههه، قولي له الحراسة حتى على الهاتف.. حبيب رجل رائع يا ليفي حاولا أن توثقا صحبتكما، فالصديق مهم جدًّا للإنسان. هههه، هناك خبر ربما يخبرك به حبيب.. المهم سنصلي جميعا من أجلك، وأتمنى لك الشفاء، وأتمنى أن تتصل بنا بعد انتهاء العملية، تفضل حبيب معك. مرحبا جورج، الحارس معك، بشرنا ما أخبارك؟ وكيف صحتك؟ ستجرى لي العملية اليوم، وسأكون بخير حال، كيف أخبارك أنت فقد اشتقت إليك؟ نحن بخير، ونحن مشتاقون لك أكثر، لقد كانت زيارتك مفتاحًا للحوار.. هذا من تواضعك يا دكتور.. فأنا أتعلم منك، وكلامك عن مذاهب النصارى لا يزال يرن في أذني، وبالمناسبة سأزور روما والفاتيكان الأسبوع المقبل؛ لأتأكد مما قلت. رائع، أكمل طريقك للسعادة، وقد وعدتنا أن توافينا بالأخبار. حتما، سأوافيكم بأخبار طريق السعادة؛ فقد وعدت ليفي بذلك. سأقول لك خبرًا سيفرحك.. ربّما أتزوج ليفي. واو.. مبارك، وهل سيكون زواجًا كاثوليكيًّا أم يهوديًّا؟ هههه، لن يتم الزواج إلا بعد عدة أشهر، فما زالت هناك بعض الإشكالات، وربما يكون بالطريق الذي يوصل للسعادة أيا كان، يهوديًّا أو كاثوليكيًّا أو بروتستانتيًّا. نسأل الرب أن يعيننا على معرفة الطريق إليه. في أمان الله، وننتظر أن تطمئننا على صحتك وعلى طريق السعادة، مع السلامة.

شرد جورج متأمّلًا.. ولم ينتبه إلا على صوت الممرضة، وهي تقول:

لا بد أن نذهب الآن لإجراء بعض الفحوصات.

نظر جورج في الساعة فإذا هي الساعة الخامسة تمامًا، أنهى جورج عددًا من الفحوصات والتحاليل، وعاد مرة أخرى إلى غرفته.. نظر في الساعة فإذا هي السادسة والنصف، ولم تأت كاترينا بعد، اتصل بها، فردت وأخبرته بأنها عند باب المستشفى، مرّت دقائق وإذا بكاترينا تدخل متلهفة ومعتذرة، فقد حدث خلل في سيارتها، واضطرت إلى ركوب الحافلة وهذا ما أخرّها.

خفت عليك عندما تأخرتِ. خفت أن أتأخر أكثر، لذلك أوقفت السيارة جانبًا وركبت الحافلة. تفضلي هذا الظرف، فيه كل الأوراق والوثائق التي تحتاجينها لو حدث لي مكروه. ستكون بخير بإذن الله. وهناك شيء لم أكتبه. ما هو؟ أود أن تكملي البحث عن طريق السعادة لك ولأبنائنا. ستكمل طريق السعادة بنفسك، وستصل إلى ما تريد.. فلن يتركك الله أبدا، فأنت صاحب خلق ومبادئ. امسحي دموعك.. وعديني يا كاترينا. أعدك، وسأكمل البحث عن طريق السعادة معك إن شاء الله، وسيكون أول البحث أثناء سفرنا إلى روما معًا. أحبك كاترينا..

ثم اقترب منها وضمها إلى صدره.. فأجهشت بالبكاء..

وأنا أحبك جورج. كوني متفائلة كعادتك، هل حجزت الفندق في روما؟ نعم.

إلى غرفة العمليات

أتت الممرضة مرة أخرى لتأخذ جورج لإكمال الفحوصات.. فشدّ على يدِ كاترينا، وطلب منها أن تذهب إلى البيت، وتدعو له..

اذهبي للبيت يا حبيبتي، بعد قليل سيأخذونني إلى التخدير، والعمليّة ستستغرق ثلاث ساعات.. لا داعي لجلوسك، سأكون بخير اطمئني.. لا تقل هذا، أنا أحبك جورج، وسأسافر معك إلى روما، وسنجد طريق السعادة. بإمكانكِ أن تنصرفي سيدتي، وسنتصل بك بعد العمليّة، فلدينا رقم هاتفك. ليحمك الرب يا جورج، وليبارك في عمرك وحياتك.

مضى جورج إلى غرفة العمليات وقلبه يعتصر خوفًا على كاترينا وأبنائه،لم يكن أبدًا خائفًا على نفسه، فراح يتأمل كيف ستصبح الدنيا لو كان هم كل شخص نفسه فقط؟ حتمًا لا تطاق، فحمل هموم الناس وآلامهم يهون على النفس احتمال الألم.. وكذلك الحياة، فمن يحيا لخدمة الناس وإسعادهم يسعد، ومن يحيا لنفسه فقط يضل الطريق.. قطع الطبيب تداعي أفكاره وهو يقول:

أريدك أن تكون في غاية الاطمئنان، ففحوصاتك الأولية مطمئنة جدًّا، ولن يكون إلا الخير.


تفاؤل وترقب(4)

في انتظار نتيجة العملية

انتهت العمليّة في منتصف الليل، وقد استغرقت أربع ساعات، كانت كاترينا تتصل فيها بالمستشفى كل ساعة، ولم يهدأ لها بال حتّى اتصل بها الطبيب بعد خروجه من غرفة العمليات، وأخبرها أن الأمور على خير ما يرام، وأنّ نتائج العمليّة ستظهر بعد اثنتي عشرة ساعة، وهو لن يفيق إلا في هذا الموعد تقريبًا..

اطمئني سيدتي، وطمئني المتصلين الآخرين، فالاتصالات لم تنقطع عن المستشفى. من هم المتصلون؟ آدم وتوم.. إن كنت تعرفينهما فأرجو أن تتصلي بهما. حسنًا.. وسأخبرهما أن يصليا من أجله.

علامات نجاح العملية

قرب الثانية عشرة من اليوم التالي.. بدأ جورج يصحو، ويحرك يده حركة غير طبيعيّة، ويهذي بكلمات غير مفهومة،لم تتبيّن منها كاترينا وآدم وتوم اللذين كانوا جالسين حوله ينتظرون إفاقته.. إلا كلمات معدودة: طريق السعادة، لماذا خلقنا...الحياة... الموت... جاء الطبيب ليتفقد حالة جورج، فقامت إليه كاترينا بسرعة.. فابتسم لها..

أقدر قلقك سيدتي.. وأبشركم كلّ الفحوصات مطمئنة جدًّا، ونتوقع أن يفيق بعد قليل. لكن يا دكتور هو يتكلم بكلام غير مفهوم! لا تقلقوا، هو لم يفق من المخدر بعد، وهذا متوقع. فإذا زالت آثار المخدر واستطاع أن يتكلم بكلام واضح فهذه أولى علامات نجاح العملية. وفي الغد سنبدأ في إزالة الأجهزة عنه، فإذا استطاع الحركة ومن ثم القيام، فهذا دليل على أنّ العملية ناجحة 100%.. متى ما أفاق سنعطيه مسكّنًا كلّ ثلاث ساعات، وبعدها سترونه سليمًا معافى، اطمئنوا. شكرا لك، وسيحفظه الرب. بالمناسبة كان يردد كلمة قبل العملية أثناء التخدير “طريق السعادة”، فما هو طريق السعادة الذي يردده؟ طريق يبحث عنه، وانشغل عن كل شيء ليكتشفه. هو من أسعد من جاءنا في المستشفى، فلماذا يبحث عن السعادة؟ لم يسعد إلا عندما بدأ في البحث عن هذا الطريق. سيجده إن شاء الله بعد أن يقوم بالسلامة، أستأذنكم الآن.

ما إن خرج الطبيب.. حتى التفت توم إلى جورج الراقد تحت الأجهزة الطبيّة.. وتمتم في أسى..

قطعًا ستجد طريق السعادة يا جورج، وسأجده معك، فلقد جربت طريق الشقاء طريق الإلحاد ولم يجلب لي إلا الهم والغم، ولكني لم أقتنع بأي دين حتى هذه اللحظة، رغم أني مقتنع أن الرب الرحيم الذي خلقنا قادر على هدايتنا. أنا موقن أنّك ستجده يا توم.. كيف سأجده يا آدم؟ أقول ما قلته أن الرب الرحيم لن يبعد من أراد القرب منه، ولذا سأجد أنا وأنت وجورج ما نبحث عنه. وهل تبحث أنت أيضًا عن طريق السعادة؟ ربما!!

واطمأن الجميع

أخذ جورج يفتح عينيه بصعوبة.. انتبهت له كاترينا فاقتربت منه..

حبيبي جورج هل تسمعني؟ نعم. الحمد للرب على سلامتك، لقد كنا قلقين عليك، وهذا آدم وتوم جاءا ليطمئنا عليك. شكرًا. تمنياتي لك بالشفاء العاجل. تمنياتي لك أيضا بالشفاء العاجل، ولقد بشرنا الطبيب أن العملية ناجحة. هل تريد شيئًا يا حبيبي؟ لا. أرى ألا نثقل عليه ونتركه يستيقظ بهدوء وعلى راحته. صحيح.. لذا أقترح أن أنصرف أنا وآدم وتبقين أنت بجواره. أشكركما غاية الشكر، سيتصل بكما اليوم ليطمئنكما بنفسه. ألديك سيارة يا آدم أم تود أن أوصلك؟ ليس لدي سيارة، ولا أود أن أتعبك، سأركب النقل العام. اركب معي، فأنا أريد أن أتحدث معك قليلًا.. مع السلامة يا كاترينا. مع السلامة.

بعد نصف ساعة تقريبًا من خروج توم وآدم.. فتح جورج عينيه مجددًا، فيما كانت كاترينا بجواره شاردة..

كاترينا.. جورج حبيبي.. كيف حالك الآن؟ أنا بخير.. كأني رأيت توم وآدم؟ انصرفا قبل قليل، بعد أن اطمأنا عليك، فقد كانا هنا منذ الصباح الباكر..كيف أنت يا حبيبي؟ كم الساعة؟.. أشعر بألم في الجمجمة. قرابة الواحدة مساءً، لا تتعب نفسك سأستدعي الطبيب الآن.

جاء الطبيب سريعًا، إثر ما استدعته الممرضة..

تبدو بخير يا جورج. هناك ألم حاد في الجمجمة. لا بأس ستأخذ الآن مسكنًا، وسيذهب كل هذا، فهذا طبيعي، فقد تم فتح جزء من الجمجمة، والأمور طيبة ومشجعة. لقد بدأ يتكلم وبوضوح وإن كان بثقل. هذه علامات نجاح العملية فاطمئني، ولتطمئنّ يا جورج. شكرا لك.

أعطى الطبيب جورج حقنة مسكنة.. ثم التفت إلى كاترينا، ونصحها بالذهاب، فجورج سينام بعد الحقنة ساعتين على الأقل..

بل سأنتظر بجواره. بعد استيقاظه سيعطى حقنة أخرى لساعتين أو أكثر، والأمر إليك. حبيبتي اذهبي. سأصلي من أجلك طوال اليوم.

في الساعة السابعة والنصف صباحًا كان جورج قد أفاق من المسكنات، وتحدث مع الممرضة بشكل جيد وواضح، وإن كان ما يزال يتغذى بالمغذي، ولم يقدم له الأكل بعد.. اتصل بكاترينا وتحدث معها وطمأنها، وطلبت أن يتصل بآدم وتوم، فاتصل بهما، ثم اتصل بحبيب وليفي.. ثم استسلم لأفكاره وخواطره عن طريق السعادة وعن سفره إلى روما.
  - متعلقات حوارات السعادة
  - متعلقات الرواية
  - متعلقات الكتب
  - متعلقات الفيديو