face google twiter youtube 

face
   

العجوز

العجوز

العجوز 1

عزم أمره إثر اكتئاب حاد بات يلازمه كثيرًا، فأخرج ورقة وكَتَب:

«حبيبتي كاترينا أنا ذاهب ولن أعود، سأنهي شقائي الذي لا ينفك عنّي، أقولها بصراحة: سأنهي حياتي، فاعذريني، وليعذرني أطفالي».

ومضى في طريقه.. كان متردّدًا، رغم أنّه راجع نفسه كثيرًا، ولم يجد مخرجًا ممّا هو فيه إلا بالانتحار، كان يمشي بخطواتٍ بطيئة يحدّث نفسه: تُرى هل أنا مريض حقًّا؟ كاترينا تقول ذلك دائمًا! دائمًا تحثّني على الإيمان واليقين، وتكرر لي:

الشك مرض يا جورج، لا تستسلم له.

حتّى أبوه كان يراه مريضًا، كان يردد أمامه أنّ مرض الشك مرض وراثيّ، قد انتقل إليه من عائلة أمّه، وينصحه بالتوقّف لئلا يؤول به الحال إلى مصحّة نفسية! وكذلك مديره في العمل كاخ اليهودي، يضحك عليه كثيرًا، ويقول له بنبرة متعاطفة وساخرة:

عزيزي جورج، أنا مستاء لك كثيرًا، أنت تشغل نفسك بلا فائدة، فالذي تفكر فيه لا يزيد مالك، بل ويحرمك من الاستمتاع بالحياة.

جورج ابن ثماني وثلاثين سنة، تزوّج من كاترينا البريطانيّة مثله، لكنّها ذات أصول هنديّة، يعود زواجهما إلى عشر سنين، رزقا فيها بثلاثة أطفال: ماري الكبرى (يفترض أن عمرها عشر سنوات، لكنها توفيت وعمرها سبع سنوات)، مايكل (ثمان سنوات)، سالي (ستّ سنوات). ومنذ أن توفيت ابنته الكبرى ماري إثر حادث طريق، وبسبب تفكيره المتواصل في معنى الحياة والموت، وبسبب حبه للفلسفة وحدة ذكائه كثرت التساؤلات عليه، فقد كان جورج قارئًا نهمًا، يحب القراءة في الفلسفة والتاريخ والأديان، ولعلّ هذا ما دفعه إلى الزواج من كاترينا الكاثوليكيّة، مُدرّسة علم اللاهوت.
كان جورج يجد لديها من الإيمان واليقين ما يفتقده هو بالرغم من كونه بروتستانتيًّا، فبينما هو يكاد يرتاب ويشكّ في كلّ الأمور ويُكثر من التساؤل، كان يعجب كثيرًا من قبولها لشكوكه بالتسليم والتفويض، لكنّه يبرّر لنفسه دائمًا بأنّه يمتلك من الذكاء والعقل والمنطق ما لا تدركه كاترينا المؤمنة. تحاور معها كثيرًا، كانت هذه الحوارات تبدو له حوارات بين العقل الذي يمثّله هو، والإيمان والتسليم الذي تمثّله هي، أو بين واقعيّته الحقيقيّة ومثاليّتها الموهومة. فيما كانت تبدو لكاترينا حوارات بين التسليم واليقين الذي تمثّله هي، وبين الشكّ والمرض الذي يمثّله هو. ودائمًا ما تنتهي تلك الحوارات بالصمت الطويل، ولولا المحبّة التي تجمعهما لانفصلا منذ مدّة طويلة.
لكنّ ازدياد الشكّ مع جورج بعد وفاة ابنته جعل تلك الحوارات بينهما أكثر حدّة وضيقًا، أصبحت الأسئلة الكبرى: لماذا خلقنا؟ ولماذا نعيش؟ وإلى أين المصير؟ تسيطر على تفكيره وتستحوذ عليه، فهذه الأسئلة تبدو بسيطة وسهلة، لكنّها معقّدة جدًّا، ولذلك خاض فيها الفلاسفة الأذكياء الذين صاغوا مفاهيم الحياة والوجود. وكان يرى أنّ الإجابة على هذه الأسئلة يَعني استقرار الإنسان وطمأنينته وسعادته. فيما كان يمشي في طريقه للانتحار كانت مشاهد كثيرة من حياته تمرّ بين عينيه، تذكر ابنته وهي تصارع الموت وهي في إسعاف المستشفى، لكنه صرعها وأخذ منها جمالها وحياتها وأخذ كذلك روحه معها، تذكر ابنه مايكل الذي سأله يومًا وهو منهك من ضغوطات العمل:

بابا لماذا تذهب للعمل كلّ يوم؟ من أجل أن يكون لي رسالة في الحياة، ولأوفر لك ما تحتاجه وتحبّه. ماذا تعني برسالتك في الحياة؟! خدمة الناس ونفع البشريّة. لماذا؟!

تنهّد جورج وهو يشعر بأن السؤال يزلزله من الداخل، ثم أجابه:

لأمر عظيم ربّما لا تعرفه أنت.. ولا أنا! أنت كبير يا بابا، ولا تعرف هذا الأمر! عندما أكبر سأعرف كلّ شيء، ولن أترك شيئا عظيما دون أن أعرفه. مايكل.. انسَ حبيبي..

ثمّ ضحك وقال في نفسه: هذه هي الوصية التي تقال لي يوميًّا: «انسَ هذه التساؤلات واستمتع بحياتك»، وأردف لابنه:

لا تخف، سأجيبك يومًا ما. بابا أنت أنهيت دراستك، وتقرأ كثيرًا، ولا تعرف! حبيبي هل أنهيت واجباتك؟ نعم. إذن تصبح على خير.

ظلّ يكلّم نفسه وهو يسير بخطوات مثقلة: يبدو أنّني مريض كما تقول كاترينا، أو أبله مضيّع لحياتي كما يقول كاخ، أو موسوس كما يقول أبي، أو... أو جاهل كما يقول مايكل! ربّما مايكل على حقّ، ولكنّ المضحك أنّني أجبته بما يجيبني الآخرون: انسَ، يبدو أنّي تعلمت الهروب إلى الأمام كغيري من الناس!
وهو في طريقه متجهٌ إلى المكان الذي يريد الانتحار فيه تذكر ذلك اليوم الذي أصابته فيه حالة اكتئاب شديدة؛ فشرب الخمر حتّى ثمل، وخرج يقود سيارته فارتطم بجدار، فخرج من سيارته مترنّحًا وممسكًا بكتاب أخذه معه بعنوان: (فلسفة السعادة)، فأمسكه رجل المرور، قائلا له:

هذه فلسفة السعادة أم فلسفة الانتحار؟! ألا تعرف مخالفة قيادة المخمور؟!

وأخرجته كاترينا بكفالة من شرطة المرور، وقالت له:

ما كان ينبغي أن تقود سيارتك وأنت مخمور.

أجابها ساخرًا:

أليست هذه وصيتك لي: أن أنسى؟ ليس بهذه الطريقة. ولماذا أنت تسهرين وتشربين كلّ يوم؟ أنا أشرب وأحتفل في مراسم خدمة المسيح في الكنيسة.

قال لها بخبث:

كأس مقدّسة وهلوسة مباركة، أم هروب بشكل آخر؟! لقد أصبح الحوار معك متعبًّا؛ لأنّك تخافين التفكير، وتهربين إلى الكأس والسهر كما فعلت أنا، ولكنك تُلبسين ذلك ثوبًا مقدّسًا.

كانت كلمات جورج قاسية جدًّا، تنهدّت بحزن وإحباط، قائلة:

على الأقل لا أحتاج إلى طبيب نفسي مثلك! ربّما! من يدري؟!


العجوز 2

في طريقه الذي خُيّل إليه أنه طويلٌ جدًّا، في الوقت الذي يوشك رأسه على الانفجار من تلاحق أفكاره وذكرياته، وقد بلغ به التردّد والحيرة مبلغًا مخيفًا، ينظر في حركة الناس من حوله فيراها كأنما هي آلات تتحرك لا روح لها ولا معنى، فكان يتساءل في نفسه: كيف يقبل البشر أن يتحولوا إلى آلات لا روح فيها، وبينما هو يسير منهارًا رأى شيخًا سبعينيًّا يلعب مسرورًا مع حفيده، أثار انتباهه وفضوله وابتسامته وضحكاته، فاقترب منه، وقال:

عذرًا على المقاطعة، هل أنت سعيد؟

نظر إليه العجوز متعجبًّا، ثم قال:

نعم.. ورجع يلعب مع حفيده.

قاطعه جورج مرة أخرى:

كيف؟ أعني: لماذا أنت سعيد؟ لماذا أنت تعيش؟

نظر إليه العجوز نظرة متفحّصة، وقال له:

لقد أجبت على سؤالك بنفسك. كيف؟ أنا سعيد لأني أعرف لماذا أعيش، هكذا بكلّ بساطة. لماذا أعيش؟ أرجوك أخبرني. اسأل نفسك! لا أستطيع أن أجيبك أنا على هذا السؤال، لا يجب عليه إلا روحك وحياتك. أتوسل إليك أخبرني. قلت لك أنّ هذا السؤال يجيب عنه ببساطة كلٌّ من الروح والحياة، لا أستطيع أن أقول لك أمرًا لم تقتنع به روحك وحياتك.

ثمّ تابع بحزم:

هل أنت مراهق تريدني أن أُملي عليك رؤيتي للحياة وللكون، أم أنّك اعتدت على أن تكون عالة على الآخرين؟ إذا سمحت لا تشغلني عن اللعب مع حفيدي.

أعتذر مرة أخرى، كيف يمكن لروحي وحياتي أن تجيبني؟ أشعر بالصدق في لهجتك، دعني أقول لك شيئًا: لو نظرت إلى أي عقد، لوجدت خرزاته لا تنتظم إلا بحبل رفيع ينظم الخرزات لتصبح عقدًا جميلًا، وكذلك حياتنا لا بدّ لها من خيط رفيع من المعرفة، وهو السبب الذي لأجله نعيش ونحيا.. ونسعد أيضًا. كيف؟ أخبرني! إن كنت صادقًا فمفتاح الإجابة في البحث والإصرار والعزيمة ومحاولة الوصول. الوصول لماذا؟ للسعادة! كيف؟

ابحث عن الطريق للسعادة! فتأنس نفسك ويصبح لحياتك وللكون معنى! أعتذر لك لا تُضِعْ وقتي، أريد أن ألعب مع حفيدي. حسنًا.. حسنًا، أنا لا أعرف طريق السعادة، ولكن ربما أصر وأصل لطريق السعادة كما تقول! إن كان موجودا! هو موجود وإلا لم يكن للحياة معنى، على كل حال بشرني عندما تجد الإجابة، وستجدها إن كنت مصرًا، وستعرف معنى كيف تجيب عليك روحك وحياتك، وستجد الخيط الذي يعطي المعنى لكل مفردات حياتك. أتمنى ذلك، ولكن ما اسمك؟ وأين تسكن؟ إذا بقيت حيًّا فستجدني في هذا المكان، وفي هذا الوقت كلّ جمعة، أعطني عنوانك، وسأرسل لك عنواني فيما بعد.

ثمّ التفت إلى حفيده ورمى الكرة، فتعجب جورج، قائلًا:

شكرًا لك، هذا عنواني.

ومضى عنه..
سار قليلًا، كان يشعر برهق وتعب لم يشعر به من قبل، حتّى في الأيام التي يزداد فيها ضغط العمل عليه، فقرر أن يشرب قليلًا من الخمر، ليستعيد شيئًا من نشاطه وذهنه، فهو يشعر أن رأسه يكاد أن ينفجر، لكنه أكثر جدًّا حتى بدأ يترنح، وما لبث أنّ أحس بدوار تكاد تغيب معه ملامح الأشياء من حوله، فسقط مغشيًا عليه وهو يمشي في الشارع. اجتمع الناس حوله، وحملوه فتحامل على نفسه، وأخبرهم بمكان بيته. عند الباب لقي كاترينا تبكي وتنتحب عليه، فلما رأته ركضت إليه، وارتمت على صدره باكية، فقال لها:

هذا أنا للأسف حيّ لم أمت.

حمدًا للربّ على سلامتك، لقد خفت كثيرًا، لماذا تفكر بالانتحار؟ لأرتاح من الآلة المتحركة التي اسمها جورج! الآلة التي لا تعرف معنى لوجودها وعيشها، وتموت روحها وتشقى نفسها في كل لحظة، ولولا العجوز الذي قابلته في الطريق ولولا الخمر، لكنت قد ارتحت من الحياة! مَن هذا العجوز؟! لا أعرف، لكنه كان سعيدًا! “وتابع ساخرًا” ويعرف لماذا يعيش؟! لم أفهم عمّ تتحدّث، ولكن حمدًا للربّ على سلامتك. حتّى أنا لم أفهم، كل الذي فهمته أنّ طريق السعادة يحتاج إلى عزيمة وبحث وإصرار للوصول. طريق السعادة! ستصل يا حبيبي، المهم لا تفرط في حياتك، نحن بحاجة إليك. هههه، سأحاول ألا أفرط فيها؛ لأبحث حتى أعرف الإجابة، وسأكون سعيدًا عندها مثل ذلك العجوز.

لاحظت كاترينا التعب على تقاسيم وجهه، فأمسكت يده وأسندته إليها، حتّى وصلا إلى غرفة النوم، فتمدّد على السرير، فيما تفاصيل اليوم تتقافز في رأسه كالأشباح المرعبة، حتى غلبه النوم، وغاب عن الوعي.