face google twiter youtube 

face
   

مع فرويد على مقهى باريسي

مع فرويد على مقهى باريسي

مع فرويد على مقهى باريسي

استغرق البحث عن فندق مناسب بقية يوم وصول الصديقين إلى باريس، وأخيرًا استقر بهم المقام للإقامة في نزل الشباب في باريس، وبدا واضحًا أنهما في حاجة إلى الخلود إلى الراحة؛ فأمضيا ما تبقى من ليل مستغرقين في النوم، وفي اليوم التالي خرج الصديقان للتعرف على معالم المدينة، وأثناء تجولهما مرا على أحد المقاهي.

مايكل: ما رأيك يا راشد في احتساء كوب من الشاي وقضاء وقت استراحة في هذا المقهى.

راشد: لا مانع، أحس فعلًا أنني بحاجة إلى استراحة قصيرة.

مايكل: على هذا المقهى كان يجلس سيجموند فرويد الطبيب النفسي الشهير، هل سمعت عنه؟

راشد: نعم، هو الذي يرتبط اسمه بمدرسة التحليل النفسي في علم النفس، ويرتبط أيضًا بالدعوة إلى التحلل من الضوابط الأخلاقية والدعوة إلى الإباحية الجنسية.

مايكل: هو عندنا عالم له قدره بغض النظر عن الارتباطات التي ذكرتها.

راشد: أعتقد أنه أحد أعمدة الفكر التي شكلت حضارة المجتمعات الغربية الحديثة، بجانب دارون وكانط وماركس ودوركايم وسارتر، كل منهم قام بدوره في زلزلة الفكر الغربي وإعادة تشكيله على النحو المطلوب بحسب مقدسات الغرب الجديدة.. وكل منهم قام بدوره في تحطيم: الدين والأخلاق والتقاليد.

كانت نظرية دارون في النشوء والارتقاء هي الشرارة التي أطلقت قاذوفين فكريين خطيرين، استخدمهما من جاء بعده لإصابة البنية الفكرية السائدة آنذاك؛ القاذوف الأول: إشاعة فكرة التطور الدائم الذي يلغي فكرة الثبات؛ ومن ثم نسبية كل القيم والأفكار والتصورات، والقاذوف الثاني: الإيحاء بحيوانية الإنسان وماديته البحتة، ومادية العوامل التي تؤثر فيه، مع إغفال الجانب الروحي إغفالًا تامًّا، وإنكار أن يكون هذا الإنسان من صنع الله، سواء في عملية الخلق أو عملية التطور، فكانت البداية القوية لتحطيم المفاهيم الراسخة حول الأسئلة الفلسفية الكبرى حول (الإله – الإنسان – الكون – المصير).

وكان دور فرويد أنه أحال الإنسان إلى مجموعة من العقد الجنسية، ونفى عن الإنسان توجيه العقل لسلوكياته، وقال بأن المحرك الأساسي للإنسان في حياته اليومية هو اللذة، ومن هذا المنطلق تحطمت منظومة الأخلاق الفاضلة وأصبحت رجعية ومتخلفة، توصف بعدم الواقعية وعدم العلمية.

مايكل: أعتقد أن هناك عوامل مشتركة بين كل الحضارات الإنسانية، وهنالك عوامل خاصة تميز كل حضارة عن الأخرى، فهذه المفاهيم (الإله- الإنسان- الكون) هي مشتركة بين كل الحضارات، ولكن كل حضارة تختلف عن الأخرى في ترتيب هذه المفاهيم؛ فإحدى الحضارات تغلب أحد هذه المفاهيم على المفهومين الباقيين وتراهما من خلال المفهوم الأول.

وفي الحضارة الأوربية المعاصرة، وبعد عصر النهضة، ساد مفهوم الكون في هذه الحضارة، وعندما انتشر الفكر العلمي بدأ فكر جديد يسود ألغى أصل خلق الله للإنسان وأتى بالنظرة المادية، وبذلك قتل البعد الروحي في الإنسان، وبالفعل كان داروين من كبار المفكرين الذين أسسوا لذلك الاتجاه.

راشد: أوافقك تمامًا في ذلك، ولكني أنبه على عدة أمور حول ما قلته: الأول: أن السبب الرئيس لتحول هذه الآراء في وقتها إلى ثورات حقيقية هو وجود حالة من الفراغ الروحي والعلمي في المجتمع الغربي آنذاك، إضافة إلى تسلط الكنيسة وإصرارها على آرائها المغلوطة عن الخلق والحياة مع اعتقادها بضرورة الإيمان بتلك الآراء. الثاني: أنه من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن سبب تقدم الغرب هو اعتماده على تلك الآراء والنظريات التي شاعت في بداية نهضته وأواسطها. الثالث: أن آراء ونظريات هؤلاء المفكرين والفلاسفة أخذت في التصدع نظرية تلو الأخرى بعد الثورة العلمية الحقيقية، ورغم ذلك فإن كثيرين من محدودي الثقافة في الغرب والشرق لا يزالون واقعين تحت تأثير الدعاية القوية التي تسند هذه الافكار.

أما حديثك عن اشتراك المفاهيم بين الحضارات فقد ذكرني بمقارنة طريفة بين نظرية فرويد في تفسير السلوك الإنساني وكلام أحد علماء المسلمين، كتبه منذ حوالي سبعمئة عام.

مايكل: طريف جدًّا أن يكون هناك تشابهًا بين كلام فرويد ومفاهيم إسلامية لعالم مسلم في ذلك الزمن.

راشد: ليس تشابهًا في المفاهيم، ولكنه تشابه يمكن أن نطلق عليه تشابه في الهيكل، ولكي أوضح لك أكثر: هل تعرف تكوين الجهاز النفسي عند فرويد؟

مايكل: نعم، أعرفه جيدًا، وخلاصته أن فرويد تخيل أنه كما أن للإنسان أجهزة بيولوجية تنتظم فيها العمليات الحيوية، كالجهاز الهضمي والجهاز الدوري.. إلى آخره، فإن للإنسان جهازًا نفسيًّا يتكون من أجزاء بينها علاقات.

وهذا الجهاز يتكون مما أطلق عليه: (الهو) و(الأنا العليا) و(الأنا). (الهو) هي المنطقة المتألفة من الغرائز والرغبات الخاصة الملحّة والخبرات المكبوتة والميول البدائية المتحفزة باستمرار وبصورة عمياء للحضور في منطقة الشعور، لتحقيق رغباتها وفقًا لمبدأ اللّذة، وتعد (الهو) أقدم مكونات الجهاز النفسي تكونًا، ويتكون مما يحمله الإنسان عند ولادته وكل ما سيحدده تكوينه الخاص، فـ(الهو) يمثل أثر الوراثة. و(الأنا العليا) تمثل مجموعة القيم الاجتماعية والمبادئ والمُثُل العليا، أي: أثر ما تلقاه الإنسان عن الآخرين؛ ويتضمن تأثير التربية والقيم الأخلاقية التي اكتسبها الطفل من والديه ومدرسته والمجتمع، تأثير التقاليد العائلية والعرقية والقومية والدينية، علاوة على مقتضيات الوسط الاجتماعي المباشر الذي يمثلونه، ويتأثر أيضًا (الأنا العليا) للطفل في أثناء تطوره بخلفاء الأهل وبدائلهم، كبعض المربين وبعض الأشخاص الذين يمثلون في المجتمع مُثلًا عُليا موقرة.. في (الأنا العليا) يكون الجنوح إلى البعد الكامل عن جميع الأفعال الشهوانية أو الغرائزية؛ حيث تمثل (الأنا العليا) الضمير، فهي منطقة المثالية البعيدة عن الواقعية، وهي دائمًا تطلب الوصول للكمال لا إلى اللذة –بحسب فرويد-. أما (الأنا) فنستطيع أن نصفه بأنه محصلة الصراع أو التوافق أو التفاعل بين (الهو) و(الأنا العليا)، بين الرغبات القائمة على مبدأ اللذة والمُثُل والمبادئ القائمة على الضبط والتقييد، فـ(الأنا) هو الشعور اليقظ الذي يعمل على حل الأزمات القائمة مع الواقع أو بين الرغبات فيما بينها للمحافظة على توازن الشخصية، وهو في النهاية محصلة شخصية الإنسان البادية في سلوكها الخارجي. فـ(الأنا العليا) وهو ذلك الجانب المنفصل عن (الأنا) لتمثيل دور الرقيب على(الأنا)، فهو يقوم بتحذير (الأنا) من الخضوع لـ(الهو) والاستجابة للرغبات المكبوتة.

راشد: شرح ممتاز يا مايكل، إنك تشرحه وكأنك فرويد يتحدث على المقهى وهو يحتسي كأسًا من الشاي..

ولكني أستكمل هذا الشرح الجميل، بأن فرويد يقر بصعوبة المهمة التي يقوم بها (الأنا) في الجهاز النفسي، وهذه المهمة الصعبة ـ إن لم نقل المستحيلة ـ تتمثل في التوفيق بين متطلبات متناقضة، إذ على (الأنا) أن يلبي متطلبات (الهو) وهي رغبات جنسية أساسًا، وأن يراعي في الوقت نفسه متطلبات المحيط الخارجي (الأنا العليا)، وهي متطلبات أخلاقية واجتماعية؛ لذلك تبدو عملية التوفيق بينها صعبة، لذلك يسعى (الأنا) لأن يقيم علاقة تفاهم ووفاق مع(الهو) ويسعى إلى تلبية رغباته، فيصطدم بـ(الأنا العليا) والواقع الذي ينظم العلاقات الجنسية وفق معايير معينة تؤدي في غالب الأحيان إلى كبت الرغبات الجنسية وصدها، فإذا استطاع (الأنا) أن يوازن بين (الهو) و(الأنا العليا) والواقع، عاش الفرد متوافقًا، أما إذا تغلب (الهو) أو (الأنا العليا) على الشخصية أدى ذلك إلى اضطرابها؛ ففشل (الأنا) في إيجاد توازن بين هذه الرغبات المتناقضة، يؤدي إلى حالات مَرضية.

والخطير هنا: أننا إذا قلنا إن الصحة النفسية بهذا المفهوم: أن تتوافق (الأنا) مع (الهو)؛ أي: الرغبات والنزعات الشهوانية، ومع (الأنا العليا)؛ أي: القيم والمبادئ والمثل، وإن عدم تلبية رغبات (الهو) يؤدي إلى الكبت، مع اعتبار عدم قدرتنا على تغيير (الهو).. لم يبق أمامنا للوصول إلى هذا التوافق غير تغيير (الأنا العليا) وتحطيمها إن لزم الأمر، فلذلك كان لا بد من إخراج الدين والمثل الأخلاقية العليا من حياتنا، واستبدالهما بأخلاق نفعية تتوافق مع شهوات الإنسان ورغباته الجنسية والأنانية التي تحقق (الهو).. وهذا ما حدث بالضبط في الغرب عندما أقصى الدين والأخلاق، وأطلق العنان للشهوات والعلاقات الجنسية غير المنضبطة بقيود أخلاقية، وأقام حضارته على ذلك، فتحطمت الأسرة، بل ضاعت إنسانية الإنسان؛ إذ لم يعد هناك ما يفرقه عن المجتمع الحيواني غير العاقل والذي لا يعرف ضوابط الأخلاق خارج إطار الفطرة والغريزة.. أرانا نعود إلى دارون بعد أن بدأنا به!!

مايكل: تقصد القول: إنه إذا كانت الرغبات المكبوتة تبحث دائمًا عن الإشباع الذي تحققه إما بطريقة مباشرة وإما بطريقة غير مباشرة، فإن ذلك يؤدي وفق فهمك لفرويد ومذهبه إلى اعتبار الحضارة التي تقوم على مبادئ ومثل وقيم أخلاقية هي حضارة وليدة الكبت.

راشد: نعم، فالحضارة الغربية عندما تنتج القيم الأخلاقية إنما تنتجها من خلال إسقاط قدسية الإله من حساباتها، بينما يرى المسلمون أن الأخلاق في المجتمعات الإنسانية من الضروري أن يكون مصدرها الشرع السماوي لا العقل؛ لأن العقل وحده سينحرف حتمًا، أما إذا كان العقل في إطار الشرع فإن الأخلاق التي سينتجها ستكون أخلاقًا سامية.

مايكل: ولكن لم تقل لي يا راشد ما قاله هذا العالم في دينكم الذي تحدثت عنه، هل ما قاله موافق لهذا الكلام أم معارض له؟

راشد: إن ما قاله كان ضمن منظومة من القيم والمفاهيم، واستعراضنا لهذه المنظومة ووضع كلامه في سياقها سيطول، أرى أن نؤجل ذلك للحوار القادم.

  - متعلقات حوارات السعادة
  - متعلقات الرواية
  - متعلقات الكتب
  - متعلقات الفيديو
اعبدوا الله