face google twiter youtube 

face
   

بر الأمان

بر الأمان

بر الأمان

استقل راشد ومايكل القطار عائدين إلى لندن، وبعد أن انطلق القطار في رحلته بادر مايكل راشد، قائلًا: لقد ذكرت أكثر من مرة في أحاديثك نقطة أراها مهمة ولم توفها حقها.. كثيرًا ما كنت تقول: «الغاية من خلق الإنسان»، وأذكر أنك ذكرت ذات مرة أن هذه الغاية هي عبادة الله... إن هذه المسألة مما يشغلني ويشغل كثيرًا ممن أعرفهم..؛ كثيرًا ما يتعرض الإنسان لفترات ومواقف يتساءل فيها: لماذا أنا موجود في هذه الدنيا؟ لماذا هذا الشقاء؟ لماذا هذا الصراع بين بني البشر، بل بين البشر والكون؟.. أليست هذه أسئلة مهمة؟

راشد: بلى، مهمة بالطبع، وأظن أن مرجع ذلك إلى التكوين القيمي والثقافي للإنسان الغربي؛ فحتمية الصراع أحد المكونات الأساسية التي قامت عليها الثقافة المادية الغربية، وهي مستمدة من الحضارتين اليونانية والرومانية القديمتين اللتين قامت على أنقاضهما الثقافة الغربية المعاصرة، حيث كانت (حتمية الصراع) إحدى الأفكار الأساسية في هاتين الحضارتين: الصراع بين الآلهة، والصراع بين الإنسان والإله، والصراع بين الإنسان والطبيعة، والصراع بين قوى الشر وقوى الخير، إضافة إلى الفراغ الروحي الناتج عن النزعة المادية التي تميزت بها الحضارة الغربية المعاصرة..

مايكل: أنت تتكلم وكأنك تمتلك وصفة سحرية بديلة يمكنك تقديمها للإنسان.

راشد: الأمر عند المسلم صحيح الإيمان ليس بهذا التمزق والحيرة؛ يعرف المسلم ـ أي مسلم ـ من خلال إسلامه: من أين أتى، وإلى أين مصيره، وما حقيقة الدنيا التي يعيش فيها، وما غاية هذه الحياة، وما قدرها، وما وظيفته الإنسانية فيها؟

مايكل: ما زال تساؤلي قائمًا، بل لقد زدت عليه تساؤلات كثيرة، ما هو تصور الإسلام للإجابة على هذه التساؤلات؟

راشد: المسلم يحس أنه في توافق وانسجام مع الكون وعناصره، وأن هذه الأشياء تشترك مع العبد الصالح في الخضوع لله تعالى وتسبيحه، إن بصورة اختيارية وكيفية واضحة كما في عالمنا البشري، أو بصورة فطرية وكيفية غير معلومة لنا.. لقد تكرر في القرآن ذكر أن «من في الكون يسبح الله» أكثر من ثلاثين مرة بلفظ (التسبيح)، وتكرر هذا المعنى بغير لفظ (التسبيح) مرات أخرى كثيرة، وهكذا فإن المسلم الواعي يدرك أنه عضو في فريق إنشاد كوني يشدو بتسبيح الله تعالى، فهو في حالة انسجام مع الكون وعناصره وليس في حالة تنافر وصراع. كما أنه يشعر بإلف للطبيعة وأنس معها، ويعدها صديقة وليست عدوة؛ فالقرآن يقرر أن ما في الكون مسخر للإنسان، جنس الإنسان، وهذا تقرر صراحة بهذا اللفظ أكثر من عشرين مرة في القرآن، وتكرر عدة مرات بألفاظ أخرى.

مايكل: وماذا من وراء ذلك؟.. ما الذي يترتب على ذلك؟

راشد: إذا نظرنا: ما الذي يريده الإنسان ليطمئن قلبه ويسكن، ويحقق سعادته ويعيش إنسانيته.. نجده يتمثل في خمس كلمات: الاستسلام، والخضوع، والطاعة، والإخلاص، والطمأنينة، وهذا ما يحققه عمليًّا انضواء الإنسان تحت مظلة العبودية التي تشمل الكون كله، ونلاحظ أن هذه الكلمات الخمس هي معنى الإسلام.

مايكل: أرجو أن توضح كلامك أكثر.

راشد: لعلاقة الإنسان بالكون ما ينعكس على معتنقه من شعور داخلي بالسلام مع نفسه ومع ما حوله، ومعايشته مبدأ الوحدة، وهو ما يسهل عليه الانتقال من الوحدة في المشاعر إلى الوحدة في تنظيم السلوك، ويوجِد حالة من التوازن في حياته، توازن يراعي جميع الأبعاد الإنسانية؛ الروحية والعقلية والجسدية. كما أن المسلم الذي يعلم أن الله الذي أخبرنا بأنه خلق لنا ما في الأرض جميعًا {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة:29]، وقال {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية:13]، يعلم أن الله لن يخلقها لنا ويسخرها لنا ثم لا تكن لنا بها أية علاقة أو صلة! فلا بد من إيضاح علاقة الإنسان بما سخره الله له, فإن كان الأمر كذلك فلا بد حينها من أن ينزل الله عز وجل من العلم ما يحكم به هذه العلاقة بين الإنسان وبين كل هذه الأشياء لأنه قال سبحانه {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف:54], وقال {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة:36], أي يتصرف في هذا العالم بلا ضوابط وأمر ونهي, فإن كان ذلك كذلك, فلا بد أن يتعلم المسلم ويبحث في دينه ما يحقق العدالة الكونية والشرعية على الأرض.

والإسلام ينطلق من هذا الأساس ليقدم منهجًا شاملًا للحياة، فينظم للمسلم علاقته بربه، من عبادات وروحانيات، كما ينظم حياته في تعاملاته؛ كزواجه وطلاقه وبيعه وشرائه.. وعاداته كآداب الأكل والشرب والنوم واللباس ودخول المسكن والخروج منه، وحتى نظافته الشخصية.. وأيضًا ينظم علاقته بمجتمعه وعلاقته بدولته وعلاقته بالمجتمعات الأخرى، ليشمل جميع المجالات الحياتية الأساسية المختلفة من تشريع واقتصاد وسياسة وثقافة واجتماع.. فالإسلام ينطلق من ذلك ليشكل منظومة كاملة تشمل جميع جوانب الحياة وتنظمها. دين كما يوجه للمسلم مشاعره، فإنه يشرع له قوانينه ويقيم له موازين العدل والقسط، يأمره بعمارة الأرض والسعي الدائم لاكتشاف آفاق الكون والأنفس... وكل ذلك ينطلق من إطار الارتباط بالله تعالى والخضوع لعبوديته، فعندما تكون هذه السلوكيات الحياتية المعتادة مرتبطة بمنهج الله؛ فإنها تتحول إلى عبوديات لله تعالى.

مايكل: ولكن ما ذكرته أثار تخوفاتي من الجنوح إلى الغلو والتشدد، أو قل بصراحة: من سيطرة الدين على الحياة.

راشد: لا بد أن نعرف أن لكل شيء نظام تنتظم فيه عناصره، فيكون لكل عنصر موقعه ومنفعته، وبربط هذه العناصر بشكل تكاملي تنتج منفعة هذا النظام ويتم تفعيله ويتحقق الهدف العام منه، وهذا ما سماه الله عز وجل بالميزان في قوله تعالى {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ 7. أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ 8. وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ9. } [الرحمن:7 ـ 9]. والميزان هو العدل, وهذا الميزان الذي هو العدل يكون في كل شيء, وكما أن هذا الكون قائم على الوزن والتقدير وعليهما يقوم النظام الكلي والجزئي, فإن هذا الدين المنزل من خالق هذا الكون قائم أيضًا على الميزان والعدل.

فالتوازن وعدم طغيان الحقوق على بعضها سمة عامة في الإسلام، يعبر عنها بالعدل والاعتدال والتوسط في سلوك الإنسان في نفسه وفي معاملته لغيره..

وتوسط الإنسان واعتداله في تصوره عن نفسه وحكمه عليها يَحْكُم في الغالب تصوره عن غيره وحكمه عليه، وفي معنى هذا التوسط والاعتدال ما وصف الله به الأبرار في دعائهم {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ} [البقرة:201]، وفي هذا المعنى الآيات الكريمات {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:77]، {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67]، {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء:29].

مايكل: يؤرقني أيضًا أن الإنسان أصبح يمتص دم أخيه الإنسان، وتدهورت الأخلاق الإنسانية حتى أفضى بها الأمر إلى أن القوى التي كان وهبها الله للإنسان، عادت تصرف فيما يرجع على الإنسان بالشقاء والدمار والهلاك بدل أن تصرف في ما يرجع عليه بالسعادة والأمن والرفاهية... كيف ينظر الإسلام إلى هذه المشكلة؟

راشد: هذه دار العقاب التي أعدها الإنسان لنفسه بنفسه في هذه الدنيا، ليس لها من سبب سوى أن الإنسان عبثًا حاول أن يتولى تسيير جهاز لا علم له بتركيب أجزائه، إن هذا الجهاز الإنساني لا يعرف أسراره إلا الذي قد صنعه، وهو يعرف طبيعته، وهو الذي يعرف كيف يمكن أن يسير بتوافق وانسجام. أما الآن فإن كف الإنسان نفسه عن ارتكاب هذه الحماقة والتزم باتباع القانون الذي قد شرعه الذي صنع هذا الجهاز، فعسى أن يصلح من جديد ما قد فسد حتى الآن، وإلا فلا علاج لما هو فيه الآن من المصائب والمهالك ومهاوي الشقاء والخسران والويل والثبور.

مايكل: أنت تقصد أنه لا نجاة إلا باتباع منهج الإسلام، وإلا فإن البشرية ستعيش في شقاء؟!

راشد: هذا بدهي، على المستوى الفردي والمستوى الجماعي، في الدنيا وفي الآخرة؛ فلا يوجد ما بإمكانه أن يضع حدًّا لجموح الإنسان وشراسته في هذه الدنيا، إلا شعوره بما عليه من التبعة والمسؤولية؛ فإن أيقن شخص في هذه الدنيا بأن له أن يفعل ما يشاء وليس هناك من يسأله عما يفعل ولا هناك قوة فوقه تعاقبه على ما يفعل، فلن يكون ثمة حد لجموحه وشراسته. وكما أن هذا صحيح فيما يتعلق بفرد، فإنه صحيح كذلك في ما يتعلق بأسرة أو أمة أو سكان الأرض جميعًا، إنه اختبار لنا جميعًا، اختبار الاعتراف بعبوديتنا وخضوعنا لخالقنا وملكنا.

أنا وأنت وكل هؤلاء الذين مكنهم الله في أرضه نواجه هذا الاختبار، وكلنا ممتحَنون في عقلنا ومروءتنا وشعورنا بالواجب ووفائنا، فعلى كل واحد منا أن يقرر: هل هو حقًّا وفيًّا أم خائنًا لملكه الحقيقي؟

أما أنا فقد قررت في نفسي أن أتبع سبيل الطاعة والوفاء، وأنا خارج من طاعة كل من قد خرج من طاعة الله... إن هذا هو بر الأمان.

مايكل: لقد وصل القطار إلى محطته النهائية.. هيا بنا.