face google twiter youtube 

face
   

امرأة ما بعد التحرر

امرأة ما بعد التحرر

امرأة ما بعد التحرر

انتهى راشد ومايكل من تناول طعام الغداء.. أطلق راشد بصره عاليًا، ثم بادر صديقه: عزيزي مايكل، لقد أمطرتني بسيل من سهام النقد، ووضعت حضارتي في قفص اتهام.

مايكل: ليست سهامًا ولا اتهامات يا صاحبي، إنه الحوار والنقد الهادف إلى الوصول للحقيقة، وأظن أننا قطعنا شوطًا كبيرًا في بلوغها بهذه الحوارات وما يقترن بها من إيضاحات، ثم إني تعودت منك سعة الصدر ورحابة الأفق، هل ضايقك حديثي السابق؟

راشد: لا لا، لم يضايقني، ولكني قصدت أنه لكي تكتمل الصورة لا بد من عرضها من جميع جوانبها، ومن اكتمال الصورة أيضًا مقابلة ومقارنة أوضاع المرأة بين حضارتنا وحضارتكم، وأظن أن أحاديثنا السابقة عن المرأة توضح قدرًا معقولًا من تصور قضية المرأة في الحضارة الإسلامية، بقي أن ننظر في هذه القضية من منظور حضارتكم.

مايكل (ضاحكًا): ها أنا ذا أفتح صدري للسهام وأفتح أبواب القفص.

راشد (مبتسمًا): ولماذا نضع أنفسنا في موقعي تحارب؟ إن ما بيننا يسمح لنا بأن تكون علاقة التحاور علاقة تعاون للوصول إلى الحقيقة كما ذكرت.

مايكل: أوافقك تمامًا، من أين تحب أن نبدأ؟

راشد: أرى أن أول ما ينبغي تناوله هو مكانة المرأة في مرجعيات الحضارة.

مايكل: النظرة إلى المرأة وأسلوب التعامل معها يختلف باختلاف نظرة الأفراد وتقييمهم لها بحسب نشأتهم وتربيتهم وثقافتهم عنها، فليست القضية هنا في مكانة المرأة في هذا الكتاب أو ذاك المرجع.

راشد: هذا صحيح، ولكنا في الوقت نفسه لا نستطيع إغفال المرجعيات التي تُكَوِّن ثقافة هذا الفرد وتشكل قِيَمَه والتي تؤثر على نظرته وتصوراته، وعندما أقول مرجعيات فأنا لا أقصد فقط كتبًا أو مراجع علمية، ولكن أيضًا كل ما يؤثر في تشكيل وعي الفرد وثقافته، فقد يكون من هذه المرجعيات بعض القصص الشعبية والأساطير التي تأخذ شكل الفلكلور، وأيضًا الأمثال والحِكَم التي تُستدعى من مخزون اللاوعي الجمعي إلى الوعي الفردي، والمرجعيات بهذا المفهوم تؤثر بدورها في النشأة والتربية.

مايكل: أعتقد أن مكانة المرأة والنظرة إليها لا تختلف كثيرًا في الكتب السماوية المقدسة؛ فهي في كتابنا المقدس تتشابه كثيرًا مع ما في قرآنكم، وتتلخص هذه النظرة في: كيفية خلق المرأة وأنها خلقت من الرجل، وكونها سببًا في الخطيئة الأولى والخروج من الجنة، وفي موقعها الاجتماعي ومسؤوليتها.

راشد: هذا الكلام فيه بعض الجوانب التي أختلف معك فيها؛ فتفاصيل مسألة الخطيئة الأولى وخروج آدم وحواء من الجنة تختلف في القرآن عن كتابكم المقدس، فحواء ليست مسؤولة في القرآن عن إغواء الشيطان لآدم، وبالتالي فإن مسؤولية الخروج من الجنة لا تقع على المرأة.

وفي حقيقة النظرة إلى الأنثى ومكانتها جاء في الكتاب المقدس أن: ولادة البنات تضاعف نجاسة الأمهات! يقول الإنجيل: “.. إذا حبلت امرأة وولدت ذكرًا، تكون نجسة سبعة أيام، كما في أيام طمث علتها تكون نجسة، ثم تقيم ثلاثة وثلاثين يومًا في دم تطهيرها، ... وإن ولدت أنثى تكون نجسة أسبوعين كما في طمثها، ثم تقيم ستة وستين يومًا في دم تطهيرها”.

أما عن تصرفات المرأة في المجتمع من وجهة النظر المسيحية فإن النساء ممنوعات أن يفتحن أفواههن داخل الكنيسة، ففي رسالة كورنثوس الأولى من العهد الجديد للكتاب المقدس: “لتصمت نساؤكم في الكنائس لأنه ليس مأذونًا لهنّ أن يتكلمن، بل يخضعن كما يقول الناموس أيضًا ولكن إن كنّ يردن أن يتعلمن شيئًا فليسألن رجالهنّ في البيت لأنه قبيح بالنساء أن تتكلم في كنيسة”.. وهذا كله لا يوجد نظيره في القرآن.

مايكل: عمومًا فإن التطور الذي جرى على مجتمعاتنا لا يمكن فهمه إذا لم يجر ربطه بجذور الثقافات الإغريقية والرومانية التي اختلطت فيه, وإذا لم يؤخذ بالاعتبار تأثير الحركة الدينية الإصلاحية البروتستانتية فيه, إضافة إلى تأثير أفكار عصر النهضة وتأثير الثورة الفرنسية وتحولات المجتمع أثناء الثورة الصناعية على هذا المجتمع.

راشد: أمَا وقد ذكرت الثقافات الإغريقية والرومانية، فهناك تخبط كبير في النظرة إلى المرأة حسب العهد الذي نتناوله أو حتى المدينة }أو الحضارة{ التي نستشهد بها، وعندما نتصفح تاريخ المرأة الإغريقية نجد أنها كانت مسلوبة الحرية والإرادة والمكانة الاجتماعية، فكانوا يهدرون منزلتها ويعتبرونها حيوانًا يباع ويشترى، ويسلبونها أهلية التصرف، ويحرمونها من الإرث قانونًا، ولما أخذت الحضارة الإغريقية تتطور وتتقدم تبدلت أوضاع المرأة الإغريقية بشكل جذري وسريع، فراحت ترتاد الأندية وتختلط بالرجال؛ مما أدى إلى إشاعة الفاحشة والزنا، واعتُبرت دور البغايا مراكز للسياسة والأدب، واتُّخذت التماثيل للنساء العاريات باسم الأدب والفن.

ورغم بعض الاختلافات التفصيلية إلا أن موقف الحضارة الرومانية من المرأة لم يختلف كثيرًا في حقيقته، وهو الاستخفاف بها، وعدها أدنى منزلة من الرجل الذي له أن يتصرف بها كيف يشاء، وقد جرد القانون الروماني المرأة من معظم حقوقها المدنية في مختلف مراحل حياتها، ثم أخذت نظرية الرومان في النساء تتبدل، وما زال هذا التبدل يطرأ على نظمهم وقوانينهم المتعلقة بالأسرة وعقد الزواج والطلاق؛ فانعكست الحال رأسًا على عقب، فلم يبق لعقد الزواج عندهم معنى، ومنحت المرأة جميع حقوق الإرث والملك، ثم تغيرت نظرتهم إلى العلاقات والروابط القائمة بين الرجل والمرأة من غير عقد مشروع.

مايكل: أضيف لك: أنه بصفة عامة حدث تفاعل وتأثير وتأثر بين نظرة الحضارات الإغريقية والرومانية والنظرة الكنسية للمرأة لما دخلت أوروبا في المسيحية، فقد تأثرت آراء رجال الدين في نظرتهم إلى المرأة بالواقع الذي عايشوه.

راشد: نعم، فعندما هال رجال المسيحية الأوائل ما رأوه في المجتمع الروماني من انتشار الفواحش والمنكرات، وما آل إليه المجتمع من انحلال أخلاقي شنيع.. اعتبروا المرأة مسؤولة عن هذا كله؛ وأعلنوا أن المرأة باب الشيطان وأنها يجب أن تستحي من جمالها؛ لأنه سلاح إبليس للفتنة والإغواء.. واستمر احتقار الغربيين للمرأة وحرمانهم لحقوقها طيلة القرون الوسطى, حتى أنها ظلت في عهد الفروسية الذي كان يُظَنُّ فيه أن المرأة احتلت شيئًا من المكانة الاجتماعية، ظلت تعتبـر قاصرة لا حق لها في التصرف بأموالها دون إذن زوجها.

مايكل: ولكن، ألا ترى يا عزيزي أن حوارنا تحول إلى حصة في التاريخ؟! إننا نستطيع القفز على هذه المرحلة للوصول إلى بداية التحولات التي آلت إلى العصر الذي نعيشه، وأقصد بذلك عصر النهضة، ثم الثورة الفرنسية وما تلاها.

راشد: ليس التاريخ، ولكنه بحث في الجذور، إنني ألاحظ علاقة وطيدة بين هذه المواقف والآراء التي تعدها تاريخًا، وبين واقع المرأة في الغرب اليوم رغم اختلاف بعض المظاهر.

ألا تلاحظ تشابهًا بين هذه الحقائق التاريخية وبين مفردات ومسارات حقوق المرأة في الغرب؟!

مايكل: تقصد مثل ماذا؟

راشد: مثل استخدام المرأة للترفيه والمتعة؛ فإنه في حين أن المرأة الغربية عندما ظنت أنها نالت حقوقها عندما صدرت قوانين مساواتها بالرجال في كل المجالات فإذا بها تكتشف أنها تحولت في كثير من الأحيان إلى لعبة بأيدي الرجال، مثل تبعيتها للرجل انتسابًا وفي ذمتها المالية؛ حيث ظلت شخصية المرأة محجوبة بشخصية زوجها ولم يرفع عنها هذا الحجر إلا بحلول بدايات القرن العشرين.

مايكل: ولكن في النهاية، حصلت المرأة على حقوقها، وأصبحت مساوية للرجال في كل المجالات، حتى في تعيينها في مختلف الوظائف.

راشد: ولكن ظلم المرأة في الغرب وإهدار حقوقها، وإن كان رُفع بعض الشيء أو رُفع نظريًّا بإصدار بعض القوانين والمواثيق، إلا أنه ما زال يمارَس عمليًّا وعلى نطاق واسع، وإن تغير اسم الظلم أو دواعيه، فباسم هذه الحركة استخدم الرجال المرأة مصيدة لجمع المال ومطية لتحصيل المتعة واللذة، وتحولت إلى سلعة وجسد لإرضاء الزبائن في أماكن اللهو، ووسيلة لجلب الأموال للمعلنين، وهذا قمة الامتهان لكرامة النساء؛ حتى ثارت المرأة في عدة بلدان وأخذت تطالب بمنع استغلالها في الدعاية التجارية.

تقول القاضية السويدية (بريجيت أوف هاهر) معلقة على تحرير المرأة ومساواتها: “إن المرأة السويدية فجأة اكتشفت أنها اشترت وهمًا هائلًا - وتقصد الحرية التي أعطيت لها - بثمن مفزع وهو سعادتها الحقيقية”.

ويعبر تقرير صادر عن المفوضية الأوروبية عن حال المرأة في البلاد الغربية، وكيف أن دعوة تحرير المرأة وادعاءات حصولها على حقوقها كانت مجرد شعارات جوفاء لا معنى ولا حقيقة لها، فقد جاء في التقرير أن الشركات في أوروبا لا تبذل جهدًا كافيًا لتحطيم (الحاجز الوهمي) الذي يحول دون تقلد النساء الوظائف الإدارية العليا.

وقالت آنَّا ديامونت بولو المفوضة الأوروبية للشؤون الاجتماعية: “إن عالم التجارة والأعمال يظهر التفاوت بين الجنسين بصورة واضحة، فبينما المرأة تتولى بين 20% و30% من الوظائف العليا الرسمية والإدارية في القطاع العام في أوروبا فإن نصيبها في الوظائف العليا في الشركات الخاصة لا يزيد عن 2% في فرنسا و3% في ألمانيا و6.3% في بريطانيا، ويبقى نصيبها في الوظائف العليا بالبنوك عند 5%”.

وركزت المفوضية على استمرار وجود تفاوت بين مرتبات النساء ومرتبات الرجال، خاصة في وظائف الادارة؛ حيث تحصل النساء على أجور أقل بنسبة 16% من أجور الرجال...

مايكل (مقاطعًا): أرى أن القطار يدخل محطته الأخيرة.. علينا أن نعد أمتعتنا ونجمع متعلقاتنا الآن..

  - متعلقات طريق السعادة
  - متعلقات حوارات السعادة
  - متعلقات الرواية
  - متعلقات الفيديو
دين الدنيا والآخرة